نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٧ - فصل في أن القرآن لم يعارض
و ان أحدا غير ما ذكرناه غير متمكّن من المعارضة، و ذلك مانع من التجويز الّذي قدّروه في السؤال في أن جهة انتفاء المعارضة هي التعذّر.
اعلم أن ارتفاع الفعل من فاعله مع علمنا من توفّر دواعيه إليه، و قوّة بواعثه عليه دليل على تعذّره، و لهذه الطريقة قطعنا على أن الألوان و الجواهر و ما جرى مجراهما من الأجناس غير مقدورة لنا، و إذا انضاف إلى ارتفاع الفعل مع قوّة الدواعي علمنا بارتفاع الموانع قضينا بأن الفعل غير مقدور لمن تعذر عليه، و إذا تعذرت هذه الجملة و علمنا أن العرب تحدّوا بالقرآن فلم يعارضوه مع قوّة الدواعي و شدّة الحاجة إلى المعارضة علمنا أنها متعذّرة عليهم، فإذا انضاف إلى العدول عن المعارضة تكلّف الأمور الشاقّة، كالحرب و ما يجري مجراها ممّا لا حاجة لهم فيه-و لو بلغوا إلى كلّ غاية منهم-قوي علمنا بتعذّر المعارضة عليهم.
و قد طعن المخالفون فيما ذكرناه بطعون رجوعها إلى أصل واحد، و هو توفّر دواعي المعارضة و تلفيق صوارف عنها إن طالبوا بالدلالة على أن دواعيهم إليها كانت قوية و موجبة لأن يفعلوها لا محالة إن كانوا قادرين عليها:
الأوّل: أن قالوا: جوّزنا دخول الشبهة عليهم في المعارضة و أن تركها أولى من فعلها من غير تعيين لوجه هذه الشبهة.
و الثاني: قولهم: لعلّهم اعتقدوا أن الحرب أولى من المعارضة؛ لأنها مريحة و منجية و المعارضة ليست كذلك.
و الثالث: أن يكونوا خافوا أن يعارضوا فيقع خلاف فيما يعارضون به، و هل هو في موقعه أو غير موقعه، و يتردّد خوض و نزاع يقوى معه الشوكة، و تكثر معه العدّة و ينتهي الأمر إلى الحرب، فقدموا إلى ما لا بدّ من المصير إليه.
الرابع: أن المماثلة الّتي دعوا إلى الإتيان بها أشكل عليهم المراد بها، و هل أريد بها المماثلة في الفصاحة أو في النظم أو فيهما أو في غيرهما، فعدلوا إلى الحرب لهذا الاشتباه؟غ