شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٥١ - (باب الكبائر)
١٠- عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: الكبائر القنوط من رحمة اللّه و اليأس من روح اللّه و الأمن من مكر اللّه و قتل النفس الّتي حرّم اللّه و عقوق الوالدين و أكل مال اليتيم ظلما و أكل الرّبا بعد البيّنة و التعرّب بعد الهجرة و قذف المحصنة و الفرار من الزّحف، فقيل
منافاة بين القولين لاختلاف القائلين لكن يأباه قوله «ما أمركم أن ترفعوا أجنحتكم عنه» الا أن يراد بالخطاب جنس الملائكة.
قوله (الكبائر القنوط من رحمة اللّه و اليأس من روح اللّه)
(١) الظاهر أن القنوط و اليأس مترادفان [١] فالجمع بينهما للتأكيد و المبالغة مع احتمال أن يكون النظر فى القنوط الى قصور الرحمة و فى اليأس الى عظمة المعصية و حرمان صاحبها من الرحمة أو يكون الروح غير الرحمة كالتنفيس من الكرب و العقوبة و قد ذكرنا ما يتعلق به سابقا و لا بأس أن نشير إليه ثانيا مبالغة لترك هذه الخصلة الذميمة فنقول اليأس و هو ضد الرجاء من الكبائر الموبقة لان فيه جحدا للرحمة و المغفرة و خروجا من التوحيد و قد جاء فى كثير من الآيات الدالة على شمول الرحمة للمذنبين مثل «رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» «و لٰا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِنَّهُ لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ» «و يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لٰا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» و تقييد المغفرة بالتوبة فى قوله تعالى وَ إِنِّي لَغَفّٰارٌ لِمَنْ تٰابَ لا ينافى ثبوتها بلا توبة و لا يوجب تقييد الآيات و الروايات المطلقة بها اذ لا قصور فى الرحمة حتى لا يتحقق بدونها على أن من تاب فقد خرج من الذنوب فلو قصرت المغفرة على التائب تعطل معنى الآيات و الروايات و ذهبت فائدة الرحمة وسعتها فلا بد من أن لا ييأس العاصى و أن يكون بين الخوف و الرجاء بل يكون طمعه بالرجاء أوثق و قلبه بشمول العناية أعلق كما قيل و بالجملة وجب على العاصى أن يتوب و يرجع و ان لم يتب وجب عليه أن لا يقنط لئلا يزيد على كبيرة كبيرة اخرى.
اذا كثرت منك الذنوب فداوها * * * برفع يد فى الليل و الليل مظلم
و لا تيأسن من رحمة اللّه انما * * * قنوطك منها من ذنوبك أعظم
[١] «القنوط و اليأس مترادفان» و سره ان الآيسين من روح اللّه يتمادون فى المعاصى و يزيد شرهم بالنسبة الى أنفسهم و الى غيرهم، أما بالنسبة الى غيرهم فواضح فان السارق و القاتل اذا أيس من رحمة اللّه سرق و قتل أكثر مما فعل، و اما بالنسبة الى نفسه فيزيد ظلمة على ظلمة فى قلبه و انحطاطا أكثر من انحطاطه عن السعادة الاخروية كفقير يسرف و مريض يشرب السم. (ش).