شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٥٦ - (باب الكبائر)
فهذا ينتقص منه جميع الأرواح و ليس بالّذي يخرج من دين اللّه لأنّ الفاعل به ردّه إلى أرذل عمره فهو لا يعرف للصّلاة وقتا و لا يستطيع التهجّد باللّيل و لا
ان يجدد ابصارا، و هكذا نقول فى جميع ما يحصل من الحواس و يجتمع عند النفس طول عمر الانسان لا يجب أن يبطل بزوال الحواس فلا تزول المسموعات و ما ترتب عليها من العلوم المكتسبة اذا فسد الاذن و صار صاحبها أصم فاحدس من هذا أن ما اختزنت من العلوم للانسان لا تزول بزوال حواسه جميعا اذ لا يحتاج بقاؤها الى الحواس و انما يحتاج فى حدوثها فقط.
فبقى احتمال واحد و هو أن يكون اختزان العلوم المكتسبة فى جسم غير الآلات الحسية الظاهرة كالدماغ مثلا و هو احتمال مردود بان كل عضو من أعضاء البدن له قوة و قدرة على فعل فانما يصدر عنه فعل بعد فعل متدرجا و لا يجتمع الجميع فيه دفعة واحدة فلا يستطيع الاذن أن تسمع آلافا من الاصوات دفعة واحدة بل يؤثر فيها صوت فتسمعه و ينتفى أثره فلا نسمعه و يؤثر فيها بعد ذلك صوت آخر فتسمعه بعد الاول، و هكذا الابصار بل الفكر الّذي هو جسمانى فى الدماغ لا يستطيع أن يتكفر فى مسئلة لاحقة الا بعد أن يعرض عن مسئلة سابقة و لا يقدر أن يفكر دفعة واحدة فى مسئلة رياضية و إلهية معا. و الذاكرة أيضا جسمانية لا تقدر أن يتفحص عن شعر و آية و عبارة و مسئلة دفعة واحدة، و هذا يدل على أن الدماغ أيضا لا يقدر الا على فعل بعد فعل تدريجا. و أما العلماء بعد أن بلغوا خمسا و سبعين سنة بل و أكثر و ضعفت قواهم الجسمانية جميعا فهم ذوو ملكة علمية جامعة للمسائل الكثيرة الحاصلة لهم طول عمرهم يرجعونها من عند أنفسهم من غير تعلم جديد و ليسوا مساوين لانفسهم حال صغرهم قبل البلوغ و التعلم قطعا و حينئذ فنسأل عن ملاك الفرق بين الحالتين المتمايزتين: حالة الصغر قبل التعلم و حالة الكبر بعد الحنكة، فان قيل لا فرق. قلنا هذا باطل بالحس و ان قيل بينهما فرق بشيء موجود فى دماغ الشيخ الكبير دون الطفل الصغير. قلنا هذا أيضا باطل غير معقول لانا نعلم ان العلوم الكثيرة التى اجتمعت للعلماء و الحكماء لا يمكن ان تكون آثارا جسمانية نظير الخطوط و النقوش و الالوان مجتمعة حاصلة فى دماغ اذ يبطل كل أثر منها الاثر الاخر و الجسم لا يقوى الاعلى فعل واحد فى آن واحد و على أفعال كثيرة متدرجة فى أزمنة متعاقبة لا فى زمان واحد فبقى أن يكون حامل تلك العلوم موجودا غير جسمانى غير محتاج فى وجوده الى البدن و لا يضمحل بفساده و نحن نعترف بان الدماغ آلة للفكر أعنى لتحصيل المعقولات لا لتعقلها و حفظها كما أن البصر آلة لتحصيل المبصرات لا لحفظها و تجريدها (راجع الصفحة ٢٢٦ من هذا الجزء). (ش)