شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٢٠ - «باب» (ان للقلب اذنين ينفث فيهما الملك و الشيطان)
يزجره عنها، و هو قول اللّه عزّ و جلّ: «عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمٰالِ قَعِيدٌ مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلّٰا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ».
الادراكية و موضوع للاحوال النفسانية فدائما ينتقل من حال الى حال و تلك الحوادث و الاحوال المسماة بالخواطر محركات للارادة و الاشواق و هى محركات للعزم و النية و هى محركة للقوة و القدرة و هى محركة للاعضاء فيصدر الفعل خيرا كان أو شرا عنهما عن هذه المبادى المترتبة و هذا معنى ما روى «أبى اللّه أن يجرى الاشياء الا بأسبابها [١]» ثم تلك الخواطر المحركة للارادة تنقسم الى قسمين [٢] قسم يدعو الى الخيرات و قسم يدعو
تزيد على محسوساته أضعافا مضاعفة (بل نسبة المحسوسات إليها اقل من نسبة الواحد الى آلاف آلاف كنسبة معلومات الرضيع الى معلومات أعاظم الحكماء) ليس ادراك هذه المعلومات الكثيرة بالحس من عالم الشهادة بل بالعقل من عالم الغيب و الحس معد لصاحب العقل لا لفاقده كالرضيع، و لا ريب أن الاعدام لا تمايز بينها فلو لم يكن قوة مسماة بالعقل موجودة فى الانسان الحكيم لم يكن تمايز بينه و بين الرضيع اذ كلاهما واجدان للحس و عادمان للعقل ان فرض عدم قوة مسماة بالعاقلة.
و يمكنك أن تجرى كلامنا فى القوى الباطنة أيضا مثلا الواهمة معنى واحد يعرض للحيوان وقتا ما و يزول من غير ان يكسب منه علما فالرضيع يحزن لفقد أمه و يسر بحضورها و هذا الحزن أو السرور حالة واحدة تعرض له فى وقت واحد ثم يزول و خيال المرئى مثلا كذلك لا يوجب كسب علم بل هو جزئى يوجد وقتا ما حافظة لما أدركه جزئيا مثله، بل نقول ذلك فى الفكر أيضا فانه حالة جسمانية غير العقل عارضة للدماغ لو لم يكن قوة مسماة بالعاقلة مستعملة اياه لم يتحرك للتتبع المعقولات و تركيبها و تفصيلها بل كان يقتصر على تركيب المحسوسات فقط.
و بالجملة فهذه القوة العاقلة باب مفتوح على الانسان من العالم الروحانى به يطلع على عالم الغيب ان لم يدنسها بالاقتصار على الكليات المتعلقة بالموجودات الدنيوية و لم يشتغل بالتفكر فى الدنيا عن الآخرة و الا فهو بمنزلة طائر يطير عن المزبلة ثم يهبط إليها.
ثم اعلم و تفطن انا نتمسك لاثبات تجرد العاقلة بعدم حصول الضعف لا بكثرة المعقولات فى الشيخوخة فان ضعف البصر يدل على جسمانيته و ان كثر به المبصرات كما يأتى قريبا ان شاء اللّه. (ش)
[١] تقدم فى كتاب الحجة باب معرفة الامام ج ٥ ص ١٦٧.
[٢] قوله «تلك الخواطر المحركة للارادة تنقسم الى قسمين» يعنى ان كل ما يأتى إليها من طرق حواسه خاطر داع الى الشر و كل ما يأتى إليها من غير حواسه خاطر داع الى الخير