شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٢٩ - باب حب الدنيا و الحرص عليها
قال: قلنا ردّنا إلى الدّنيا فنزهد فيها، قيل لنا: كذبتم، قال: ويحك كيف لم يكلّمني غيرك من بينهم؟ قال: يا روح اللّه إنهم ملجمون بلجام من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد و إنّي كنت فيهم و لم أكن منهم، فلمّا نزل العذاب عمّني معهم فأنا معلّق بشعرة على شفير جهنّم لا أدري اكبكب فيها أم أنجو منها، فالتفت عيسى (عليه السلام) إلى الحواريّين فقال:
يا أولياء اللّه! أكل الخبز اليابس بالملح الجريش و النوم على المزابل خير كثير مع عافية الدّنيا و الآخرة.
الفحص عن تلك التفاصيل و صرف الوقت فيما هو أهم أعنى فيما يصرف ذلك العذاب و يرفعه عنا كيف ما كان و على أى نوع حصل، و هو المواظبة على الطاعات و اجتناب المنهيات لئلا يكون حالنا فى الفحص عن ذلك و الاشتغال به عن الفكر فيما يدفعه و ينجى منه كحال شخص أخذه السلطان و حبسه ليقطع فى غد يده و جدع أنفه فترك الفكر فى الحيل المؤدية الى خلاصه و بقى طول ليله متفكرا فى أنه هل يقطع بالسكين أو بالسيف و هل القاطع زيد أو عمرو (قيل لنا كذبتم)
(١) دل على أنهم لو ردوا لعادوا كما نطقت به الآية.
(و انى كنت فيهم و لم أكن منهم فلما نزل العذاب عمنى معهم)
(٢) قال الشيخ هذا يشعر بأنه ينبغى المهاجرة عن أهل المعاصى و أن المقيم معهم شريك لهم فى العذاب و محترق بنارهم و ان لم يشاركهم فى أفعالهم و أقوالهم.
(فأنا معلق بشعرة على شفير جهنم)
(٣) قال الشيخ: هذا كناية عن أنه مشرف على الوقوع فيها و لا يبعد أن يراد معناه الصريح أيضا. و الشفير حافة الشيء و جانبه.
(لا أدرى اكبكب فيها)
(٤) على صيغة المبنى للمفعول أى أطرح على وجهى.
(أكل الخبز اليابس بالملح الجريش)
(٥) أى الّذي لم ينعم دقه تقول جرشت الشيء
لذلك يشكل عليه كثير من امور البرزخ و الآخرة. مثلا يقيس الانسان دور مكة و سككها و أبنيتها بما رآه فى بلده فالعجمى يتصور فى مكة دارا واسعة فيها صحن كبير و بركة يغتسل فيها كل يوم مرات و يدفع عن نفسه حرارة الهواء و لا يختلج بباله ان الدار هناك ليس لها صحن و بركة و اذا نشأ أحد فى بلد الجبارين و اعتاد الخوف و الاطاعة لاهواء الامراء مقيدا بقيود الظلمة بحيث يحسب كل صيحة عليه هى للعدو ثم خرج من بلاده الى غيرها يتعجب من الناس و حريتهم و اختيارهم و عدم التزامهم بالطاعة امرائهم الا بالحق و كذلك الانسان فى الدنيا يزعم جميع امور البرزخ كالدنيا ففى بعض الروايات أن ارواح الاشقياء فى برهوت و فى هذه الرواية أنها فى سجين و فى بعضها أن الميت يعذب فى قبره. و لم يعرف فى الدنيا شيئا كذلك فى أمكنة متعددة فيقيس الآخرة بالدنيا و يصعب على عقله فهمه. (ش)