شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٤٠٠
الّذي يبصر به و لسانه الّذي ينطق به و يده الّتي يبطش بها. إن دعاني أجبته و إن سألني
«الى» فى الموضعين حيث لم يقل الى جنتى و لا الى ثوابى و كرامتى و لا الى برى به وصلتى دلالة واضحة على أنه ينبغى للسالك العابد أن يقصد بعبادته ذاته عز و جل لا عوضا عليها و لا جزاء فان العوض و الجزاء غيره تعالى و من كانت عبادته للاغيار لم تصف محبته للولى الجبار.
كما قيل لن يصل العبد الى حقيقة الحرية و قد بقى عليه من غير اللّه بقية. ثم أشار الى شرف منزلة المحبة و بعض آثارها بقوله:
(فاذا احببته كنت سمعه الّذي يسمع به و بصره الّذي يبصر به و لسانه الّذي ينطق به و يده التى يبطش بها ان دعانى اجبته و ان سألنى أعطيته)
(١) ليس المراد ما يفيده ظاهر [١] هذه العبارة من الاتحاد لاستحالته نقلا و عقلا لان هذه الاعضاء مختلفة الحقائق و الآثار، و استحالة اتحاد شيء من الاشياء معها أمر ضرورى لا يقبل الانكار. فلا بد فيه من تأويل و الّذي يخطر بالبال على سبيل الاحتمال انى اذا أحببته كنت كسمعه الّذي يسمع به و كبصره- الى آخره- فى سرعة الاجابة، و قوله: «ان دعانى أجبته» اشارة الى وجه التشبيه يعنى انى اجيبه سريعا ان دعانى الى مقاصده كما يجيبه سمعه عند ارادته سماع المسموعات و بصره عند أرادته ابصار المبصرات، و هكذا، و هذا مثل قول الناس المعروف بينهم: فلان عينى و نور بصير و يدى و عضدى و انما يريدون به التشبيه فى معنى من المعانى المناسبة للمقام، و يسمون هذا تشبيها بليغا بحذف الاداة مثل زيد أسد. و يمكن أن يكون فيه تنبيه على أنه عز و جل هو المطلوب لهذا العبد المحبوب عند سمعه للمسموعات و بصره للمبصرات و هكذا. يعنى منى يسمع المسموعات و بها يرجع الى و المقصود أنه يبتدئ بى فى سماع المسموعات و ينتهى الى فلا يصرف شيئا من جوارحه فيما ليس فيه رضاى، و إليه أشار بعض الاولياء بقوله: ما رأيت شيئا الا و رأيت اللّه قبله، و قال شيخ العارفين فى الاربعين فى تأويله: هذا مبالغة فى القرب و بيان لاستيلاء سلطان المحبة على ظاهر العبد و باطنه و سره و علانيته. فالمراد و اللّه أعلم انى اذا احببت عبدى جذبته الى محل الانس، و صرفته الى عالم القدس، و صيرت فكره مستغرقا فى أسرار الملكوت، و حواسه مقصورة على اجتلاء أنوار الجبروت فتثبت حينئذ فى مقام القرب قدمه و يمتزج بالمحبة لحمه و دمه الى أن يغيب عن نفسه و يذهل عن حسه فتتلاشى الاغيار فى نظره حتى أكون بمنزلة سمعه و بصره كما قال من قال
جنونى فيك لا يخفى * * * و نارى منك لا تخبو
فأنت السمع و الابصار * * * و الاركان و القلب
أقول: هذا قريب مما نقل عن صاحب الشجرة الالهية أنه قال فيها كما أن النفس فى حال التعلق بالبدن تتوهم أنها هى البدن أو أنها فيه و ان لم تكن هو و لا فيه فكذلك
[١] قوله «ليس المراد ما يفيده ظاهر» لان العبارة اذا دلت على معنى مستحيل لا يليق