شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٥٢ - (باب الفخر و الكبر)
..........
كان ذاته لطيفا و طبعه شريفا و ذهنه زكيا و عقله نقيا أمكنه أن يعالجها بحسن التدبير و لطف التصوير بأن يتصور أنه لا ينبغى له الفخر و التكبر على من تقدمه فى العلم لما فيه من فضيلة العلم الّذي قال اللّه تعالى فى تعظيمه «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ» و قال رسول اللّه (ص) «و لا يبلغ جميع العابدين فى فضل عبادتهم ما بلغ العاقل» و لا على من تأخر عنه فى العلم اذ لعل قليل علمه يكون مقبولا و كثير علمه يكون مردودا و لا على الجاهل و الفاسق اذ قد يكون لهما خصلة خفية و صفة قلبية موجبة لمحبة الرب و رحمته، و لو فرض خلوهما عن جميع ذلك بالفعل فلعل الاحوال فى العاقبة تنعكس و قد وقع أمثال ذلك كثيرا و لو فرض عدم ذلك
الفراق عن البدن و لو كان العلم فقط يوجب السعادة لكان أبو ذر و مقداد و أمّ ايمن أشقياء فى الآخرة بل الّذي ثبت لنا ان العلم الموجب للسعادة هو ما يوجب الورع و الورع ما يوجب الاعراض عن الدنيا و الاعراض عن الدنيا يوجب فراغ الخاطر حتى يلتفت النفس الى جوهر ذاته و ما أودع فيه اذ لا يمكن الالتفات الى وجهين فى حال واحدة، و يستحيل التوجه الى جهتين فى زمان واحد و اذا التفتت الى استعداد ذاتها و ما أودعها اللّه فيها من قوة الكمال و الترقى الى معرفة ذى الجلال و سعى فى الوصول الى ما أعد له حصل له السعادة و السعادة كل السعادة فى الوصول الى اللّه تعالى و الرجوع إليه. كما أشار إليه فى مواضع كثيرة من الكلام الالهى مثل قوله «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» و قوله «إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ» «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنٰا لٰا تُرْجَعُونَ» و ليس تحصيل ادراك ذلك سهلا فتفاوت مراتب الانسان كتفاوت الجماد و النبات و الحيوان فرب انسان تراه فى صورة انسانية و انسانا آخر فى صورته بعينها مع أن تفاوت الرتبة بينهما كالتفاوت بين جماد و حيوان و انسان كما أن الحيوان لا يعرف ما فى نفس الانسان من العلوم الكثيرة و لا يعلم انه أقرب الى اللّه تعالى منه كذا زيد لا يعرف رتبة عمرو و كونه أقرب الى اللّه فمثله عنده كمثل جماد عند انسان و الكافر الملحد المادى لا يعرف ما عند أبى على بن سينا و نصير الدين الطوسى و لا يعلم انهما أقرب الى اللّه و الآخرة و ليس التقرب الى اللّه بالزمان و لا بالمكان بل بالتشبه فى الكمال كما قيل تخلقوا بأخلاق اللّه تعالى و كلما حصل فى الانسان من صفاته تعالى كالعلم و الحلم و الرحمة و البر ما هو أكمل بالرياضة و الزهد كان القرب أشد و روى عن عيسى بن مريم (ع) خطابا للحواريين كونوا كاملين كما أن اللّه ربكم فى السماء كامل. و بالجملة مع حب الدنيا و الاستغراق فى شهواتها و مهالكها لا يمكن الالتفات الى باطن النفس و تحصيل