شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٧٦ - (باب فى قلة المؤمن)
«إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ كٰانَ أُمَّةً قٰانِتاً لِلّٰهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» فغبر بذلك ما شاء اللّه ثمّ إنّ اللّه آنسه بإسماعيل و إسحاق فصاروا ثلاثة أما و اللّه إنّ المؤمن لقليل و إنّ أهل الكفر لكثير أ تدري لم ذاك؟
فقلت: لا أدري جعلت فداك فقال: صيّروا انسا للمؤمنين، يبثّون إليهم ما في صدورهم فيستريحون إلى ذلك و يسكنون إليه.
من الناس و أتباع الأنبياء (عليهم السلام) و الجمع امم مثل غرفة و غرف، و يطلق على عالم دهره، المنفرد بعلمه، الجامع للخير. المقتدى لغيره. كما فى المصباح و كنز اللغة و غيرهما، و هذا هو المراد هنا، و القنوت الدعاء و العبادة، و الحنيف المسلم لانه مائل الى الدين المستقيم و الناسك أيضا (فغبر بذلك ما شاء اللّه)
(١) غبر غبورا من باب قعد مضى و قد يستعمل فيما بقى أيضا فيكون من الاضداد. و قال الزبيدى: غير غبورا مكث و فى لغة بالمهملة للماضى و بالمعجمة للباقى (أما و اللّه ان المؤمن لقليل و ان أهل الكفر لكثير)
(٢) المراد بالمؤمن المؤمن الكامل و بأهل الكفر من سواهم فان ادعوا الايمان ظاهرا فان غير المؤمن الكامل لا يخلو من كفر ما، ثم بين وجه ايمانهم مع اتصافهم بالكفر بأن اللّه تعالى صيرهم أنسا للمؤمنين الكاملين و أما كثرتهم فهو لغرورهم بالدنيا و وغولهم فيها و الدنيا تخدع أكثر من فيها، و الغرض من هذا الحديث بيان قلة أهل الايمان و الحمل على الصبر عليها و عدم الاستيحاش من الوحدة كما يرشد إليه قول أمير المؤمنين (ع) «أيها الناس لا تستوحشوا فى طريق الهدى لقلة أهله فان الناس اجتمعوا على مائدة شيعتها قصيرة و جوعها طويل» قال بعض الافاضل لما كانت العادة أن يستوحش الناس من الوحدة و قلة الرفيق فى طريق طويل صعب، نهى (ع) عن الاستيحاش فى تلك الطريق و كنى به عما عساه يعرض لبعضهم من الوسوسة بأنهم ليسوا على حق لقلتهم و كثرة مخالفيهم لان قلة العدد فى الطريق مظنة الهلاك و السلامة مع الكثرة فنبههم على انهم فى طريق الهدى و ان كانوا قليلين ثم نبه على قلة عدد أهل طريق الهدى و هى اجتماع الناس على الدنيا فقال «فان الناس- الى آخره» و استعار للدنيا المائدة بملاحظة تشبيهها فى كونها مجتمع اللذات، و كنى عن قصر مدتها بقصر شبعتها عن استعقاب الانهماك فيها للعذاب الطويل فى الآخرة بطول جوعها و لفظ الجوع مستعار للحاجة الطويلة بعد الموت الى المطاعم الحقيقية الباقية من الكمالات النفسانية و هو بسبب الغفلة فى الدنيا فلذلك نسب الجوع إليها و فى قوله (عليه السلام):
(صيروا انسا للمؤمن يبثون إليهم ما فى صدورهم فيستريحون الى ذلك و يسكنون إليه)
(٣) دلالة على أن القلب يضيق بحفظ السر فاذا أظهره استراح منه فلذلك جعل بعض الناس