الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - الموسوي، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٦١ - محكمة الكتاب
و قد دلّ صريح القرآن الكريم على توريث بعض الأنبياء، إذ قال اللّه تبارك و تعالى في كتابه الكريم مخبرا عن زكريّا (عليه السلام): وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا.
و الإرث في الآية بمعنى إرث المال، لأنّه هو الّذي ينتقل حقيقة من الموروث إلى الوارث.
و أمّا العلم و النبوّة؛ فلا ينتقلان انتقالا حقيقيّا، و امتناع انتقال العلم على نظرية اتّحاد العاقل و المعقول [١] واضح، كلّ الوضوح.
و أمّا إذا اعترفنا بالمغائرة الوجوديّة بينهما؛ فلا ريب في تجرّد الصور العلميّة [٢] و أنّها قائمة بالنفس قياما صدوريا [٣] بمنى أنّها معلولة للنفس و المعلول
[١] و تقوم الفكرة في هذه النظريّة على أنّ الصور المعقولة- و هي عبارة عن وجود مجرّد عن المادّة- لا قوام لها إلّا بكونها معقولة، فالمعقوليّة نفس هويتها و تجريدها عن العاقل تجريد لها عن نحو وجودها الخاصّ.
و هذا آية الوحدة الوجودية، و إذن فتدرج النفس في مراتب العلم هو تدرجها في أطوار الوجود، و كلّما صار الوجود النفسي مصداقا فالمفهوم عقلي جديد زاد في تكامله الجوهري، و أصبح من طراز أرفع.
و لا مانع مطلقا من اتّحاد مفاهيم متعددّة في الوجود، كما يتّحد الجنس و الفصل؛ و ليس ذلك كالوحدة الوجودية لوجودين، أو الوحدة المفهوميّة لمفهومين، فإنّ هاتين الوحدتين مستحيلتان في حساب العقل دون ذاك الإتّحاد، و التوسع لا مجال له.
[٢] فإنّ الحقّ تجرّد جميع مراتب العلم و الصور المدركة، و لكن على تفاوت في مراتب التجريد، فإنّ المدرك بالذات لا يمكن أن يكون نفس الشيء بهويته الماديّة، فحتّى المدرك بحاسة البصر له نحو من التجرّد و ليس في نورية خروج الشعاع، أو الإنطباع و ما ثبت حول الرؤية في علم المرايا أو بحوث الفيزياء ما يفسّر الإدراك البصري تفسيرا فلسفيّا.
فلا بدّ من الإعتراف بتجرّده فضلا عن الخيال و العقل، و قد أوضحنا هذا المذهب في كتابنا العقيدة الإلهيّة في الإسلام.
[٣] لا قياما حلوليّا بمعنى كونها أعراضا لها، و إنّما ذهب هذا المذهب بعض الفلاسفة لحلّ المشكلة الّتي-