الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - الموسوي، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٢٢ - تأريخ الثورة
النجاة يوم الهجرة الأغر- كما أشرنا إليه قريبا- و لم يكن ليتهيّأ للإمام في محنته بعد وفاة أخيه أن يقدّم لها كلام البطلين، لأنّه لو ضحّى بنفسه في سبيل توجيه الخلافة إلى مجراها الشرعي في رأيه لما بقي بعده من يمسك الخيط من طرفيه و ولدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله طفلان لا يتهيّأ لهما من الأمر ما يريد.
وقف عليّ (عليه السلام) عند مفترق طريقين كلّ منهما حرج و كلّ منهما شديد على نفسه:
أحدهما: أن يعلن الثورة المسلحة على خلافة أبي بكر.
و الآخر: أن يسكت و في العين قذى، و في الحلق شجا، و لكن ماذا كان يترقب للثورة من نتائج.
هذا ما نريد أن نتبيّنه على ضوء الظروف التأريخيّة لتلك الساعة العصيبة.
أنّ الحاكمين لم يكونوا ينزلون عن مراكزهم بأدنى معارضة، و هم من عرفناهم حماسة و شدّة في أمر الخلافة.
و معنى هذا أنّهم سيقابلون و يدافعون عن سلطانهم الجديد، و من المعقول جدّا حينئذ أن يغتنم سعد بن عبادة الفرصة ليعلنها حربا اخرى في سبيل أهوائه السياسيّة.
لأنّنا نعلم أنّه هدّد الحزب المنتصر بالثورة عندما طلب منه البيعة، و قال:
لا، و اللّه؛ حتّى أرميكم بما في كنانتي، و أخضب سنان رمحي، و أضرب بسيفي، و أقاتلكم بأهل بيتي و من أطاعني، و لو اجتمع معكم الإنس و الجنّ ما بايعتكم.
و أكبر الظنّ، أنّه تهيب الإقدام على الثورة و لم يجرأ على أن يكون أوّل شاهر للسيف ضدّ الخلافة القائمة، و إنّما اكتفى بالتهديد بالشديد الّذي كان بمثابة إعلان الحرب، و أخذ يترقّب تضعضع الأوضاع ليشهر سيفه بين السيوف فكان حريّا به أن تثور حماسته، و يزول تهيبه، و يضعف الحزب القائم في نظره إذا رآى صوتا قويّا يجهر بالثورة، فيعيدها جذعة و يحاول أجلاء المهاجرين من المدينة