الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - الموسوي، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٦٧ - محكمة الكتاب
و أمّا النقطة الثانية؛ فهي من القرائن على التفسير الّذي اخترناه، لأنّ الخوف على الدين و العلم من أبناء العم لا معنى له، لأنّ اللطف الإلهي لا يترك الناس سدى بلا حجّة بالغة، فمعالم الدين و كلمة السماء محفوظة بالرعاية الإلهيّة، و النبوّة مخصوصة أبدا بالأقلين من نوابغ البشر لا يخشى عليها من السطو و النهب.
و إذن فما ذا كان يحسب زكريّا (عليه السلام) ربّه صانعا لو لم يمن عليه بيحيى (عليه السلام)، أ كان يحتمل أن يكلّف برسالته مواليه- أعني بني عمومته- مع عدم كفاءتهم للقيام بواجب الرسالة الإلهيّة، و عدم جدارتهم بهذا الشرف؟ أو كان يرى أنّ اللّه تعالى يمهل أمر خلقه ليكون لهم الحجّة عليه؟ ليس هذا و لا ذاك ممّا يجوّزه نبيّ.
و إنّما خاف زكريّا (عليه السلام) من بني أعمامه على أمواله، فطلب من اللّه ولدا رضيّا يرثها، و لا جناح عليه في ذلك، إذ يحتمل أن تكون رغبته في صرف أمواله عن بني عمومته بسبب أنّها لو آلت إليهم لوضعوها في غير مواضعها، و أنفقوها في المعاصي و ألوان الفساد، لما كان يلوح عليهم من علامات الشرّ و أمارات السوء حتّى قيل: إنّهم شرار بني إسرائيل.
و قد حاول ابن أبي الحديد أن يصوّر وجها لخوف زكريّا (عليه السلام) من الموالي على الدين من ناحيتين:
الاولى: عن طريق اصول الشيعة، فذكر أنّ دعوى امتناع مثل هذا الخوف على النبيّ غير مستقيم على مذهب الشيعة، لأنّ المكلّفين قد حرموا بغيبة الإمام عندهم ألطافا كثيرة الوصلة بالشرعيّات، كالحدود و صلاة الجمعة و الأعياد، و هم يقولون في ذلك: إنّ اللوم على المكلّفين، لأنّهم قد حرموا أنفسهم اللطف.
فهلّا جاز أن يخاف زكريّا (عليه السلام) من تبديل الدين و تغييره و إفساد الأحكام الشرعيّة، لأنّه إنّما يجب على اللّه التبليغ بالرسول إلى المكلّفين، فإذا أفسدوا هم الأديان و بدّلوها لم يجب عليه أن يحفظها عليهم، لأنّهم هم الّذين حرموا أنفسهم اللطف.