الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - الموسوي، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٥٠ - محكمة الكتاب
و لا غرابة في بيان الحكم بعدم توريث الصدقات في صدر زمان التشريع، مع وضوحه الآن، لأنّ قواعد الشريعة و أحكامها لم تكن قد تقرّرت و اشتهرت بين المسلمين، فكان لاحتمال انفساخ الصدقات و الأوقاف بموت المالك و رجوعها إلى الورثة متّسع.
و لا يضعضع قيمة هذا التفسير عدم ذكر الزهراء (عليها السلام) له و اعتراضها به على الخليفة.
أمّا أوّلا؛ فلأنّ الموقف الحرج الّذي وقفته الزهراء (عليها السلام) في ساعتها الشديدة لم يكن ليتّسع لمثل تلك المناقشات الدقيقة، حيث أنّ السلطة الحاكمة الّتي كانت تريد تنفيذ قراراتها بصورة حاسمة قد سيطرت على الموقف بصرامة و عزم لا يقبلان جدالا.
و لذا نرى الخليفة لا يزيد في جواب استدلال خصمه بآيات ميراث الأنبياء على الدعوى الصارمة، إذ يقول هكذا هو- كما في «طبقات ابن سعد»- فلم يكن مصير هذه المناقشات لو قدر لها أن تساهم في الثورة بنصيب إلّا الردّ و الفشل.
و أمّا ثانيا: فلأنّ هذه المناقشات لم تكن تتّصل بهدف الزهراء (عليها السلام) و غرضها الّذي كان يتلخص في القضاء على الأساليب الّتي هي أقرب إلى تحقيق ذلك الغرض.
فتراها مثلا في خطابها الخالد خاطبت عقول الناس و قلوبهم معا، و لكنّها لم تتجاوز في احتجاجها الوجوه البديهيّة الّتي كان من القريب أن يستنكر اغضاء الخليفة عنها كلّ أحد، و يجر ذلك الإستنكار إلى معارضة حامية.
فقد نفت وجود سند لحكم الخليفة من الكتاب الكريم، ثمّ ذكرت ما يخالفه من الآيات العامّة المشرعة للتوارث بين سائر المسلمين [١] و الآيات
[١] من الواضحات العلميّة أخيرا؛ أنّ الخبر الواحد المعتبر يصلح لتخصيص الكتاب، لأنّه حاكم أو وارد- كما هو الصحيح- على أصالة العموم و أصالة الإطلاق، و إنّما احتجت الزهراء (عليها السلام) بالآيات العامّة، لأنّها لم تكن تعترف بوثاقة الصدّيق و عدالته.