الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - الموسوي، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٢٩ - تأريخ الثورة
احتياطاتها و أساليبها الدقيقة لمحو تلك الأحاديث النبويّة من الذهنيّة الإسلاميّة، لأنّها تعرف حينئذ أنّ فيها قوّة خطر على الخلافة القائمة، و مادّة خصبة لثورة المعارضين في كلّ حين.
و إنّي اعتقد أنّ عمر لو التفت إلى ما تنبّه إليه الامويّون بعد أن احتجّ الإمام بالنصوص في أيّام خلافته، و اشتهرت بين شيعته من خطرها لاستطاع أن يقطعها من اصولها و يقوم بما لم يقدر الامويّون عليه من إطفاء نورها.
و كان اعتراض الإمام بالنصّ في تلك الساعة ينبّهه إلى ما يجب أن ينتهجه من اسلوب، فأشفق على النصوص المقدّسة أن تلعب بها السياسة، و سكت عنها على مضض، و استغفل بذلك خصومه حتّى أنّ عمر نفسه صرّح بأنّ عليّا (عليه السلام) هو وليّ كلّ مؤمن و مؤمنة بنصّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله. [١]
ثمّ ألم يكن من المعقول أن يخشى الإمام عليّ كرامة حبيبه و أخيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أن تنتقض و هي أغلى عنده من كلّ نفيس إذا جاهر بنصوص النبيّ صلّى اللّه عليه و اله، و هو لم ينس موقف الفاروق من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله حين طلب دواة ليكتب كتابا لا يضلّ الناس بعده أبدا، فقال عمر: إنّ النبيّ ليهجر، أو قد غلب عليه الوجع!!!
و قد اعترف فيما بعد لابن عبّاس: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله كان يريد أن يعيّن عليّا للخلافة، و قد صدّه عن ذلك خوفا من الفتنة. [٢]
و سواء أ كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يريد أن يحرّر حقّ عليّ (عليه السلام) في الخلافة أولا، فإنّ المهم أن نتأمّل موقف عمر من طلبه، فهو إذا كان مستعدّا لاتّهام النبيّ صلّى اللّه عليه و اله وجها لوجه بما ينزهه عنه نصّ القرآن، و ضرورة الإسلام خوفا من الفتنة، فما
[١] راجع ذخائر العقبى: ٦٧.
و الحديث يدلّنا على أنّ الفاروق كان يميل أحيانا إلى تغيير الطريقة الّتي سار عليها الحزب في بداية الأمر مع الهاشميين غير أنّ الطابع السياسي الأوّل غلب عليه أخيرا.
[٢] راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٢/ ١١٤.