الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - الموسوي، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٢٠ - تأريخ الثورة
و إن كانت السماء قد امتدحت فتوّة عليّ (عليه السلام)، و أعلنت عن رضاها عليه، إذ قال المنادي:
لا سيف إلّا ذو الفقار * * * و لا فتى إلّا عليّ [١]
فإنّها عنت بذلك أنّ فتوّة عليّ (عليه السلام) وحدها هي الرجولة الكاملة الّتي لا يرتفع إلى مداها إنسان، و لا ترقى إلى افقها بطولة الأبطال و إخلاص المخلصين.
و من مهزلة الأقدار أنّ هذه الفتوّة الّتي قدّسها الهاتف الإلهي كانت عيبا في رأي مشايخ السقيفة، و نقصا في عليّ (عليه السلام)، يؤاخذ عليه، و ينزل به عن الصدّيق الّذي لم يكن يمتاز عليه إلّا بسنين قضاها كافرا مشركا.
و أنا لا أدري كيف صار الإزدواج بين الجاهليّة و الإسلام في حياة شخص واحد مجدا يمتاز به عمّن خلصت حياته كلّها للّه؟
و لئن ظهرت للناس في البحوث الجديدة القوّة الطبيعية الّتي تجعل الأجسام الدائرة حول المحور تسير على خط معيّن، فلقد ظهرت في عليّ (عليه السلام) قبل مئات السنين قوّة مثلها، و لكنّها ليست من حقائق الفيزياء، بل من قوى السماء.
و هي الّتي جعلت من عليّ (عليه السلام) مناعة طبيعيّة للإسلام حفظت له مقامه الأعلى ما دام الإمام حيّا، و محورا تدور عليه الحياة الإسلاميّة، لتستمدّ منه روحانيتها و ثقافتها و روحها و جوهرها سواء أ كان على رأس الحكم أم لا؟
و قد عملت هذه القوّة عملها السحري في عمر نفسه فجذبته إلى خطوطها المستقيمة مرارا حتّى قال: لولا عليّ (عليه السلام) لهلك عمر.
و ظهر تأثيرها الجبّار في التفات المسلمين حوله في اليوم الّذي أسندت فيه مقدرات الخلافة إلى عامّة المسلمين ذلك الإلتفات الفذ الّذي يقل مثيله في تأريخ الشعوب.
[١] ذكر ذلك الطبري في تأريخه: ٣/ ١٧، و ابن هشام في سيرته، و ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، و الخوارزمي في المناقب.