البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٢٩ - الصافّات آيه ١٧٧-١٣٩
فَأَقْبَلَ يُونُسُ لِيَنْظُرَ كَيْفَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى،فَرَأَى الزَّارِعِينَ يَزْرَعُونَ فِي أَرْضِهِمْ،قَالَ:لَهُمْ:مَا فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ.فَقَالُوا لَهُ،وَ لَمْ يَعْرِفُوهُ:إِنَّ يُونُسَ دَعَا عَلَيْهِمْ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ،وَ نَزَلَ الْعَذَابُ عَلَيْهِمْ،فَاجْتَمَعُوا وَ بَكَوْا، وَ دَعَوْا،فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ،وَ صَرَفَ ذَلِكَ عَنْهُمْ،وَ فَرَّقَ الْعَذَابَ عَلَى الْجِبَالِ،فَهُمْ إِذَنْ يَطْلُبُونَ يُونُسَ لِيُؤْمِنُوا بِهِ.فَغَضِبَ يُونُسُ،وَ مَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مُغَاضِباً-كَمَا حَكَى اللَّهُ-حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ،فَإِذَا سَفِينَةٌ قَدْ شُحِنَتْ،وَ أَرَادُوا أَنْ يَدْفَعُوهَا،فَسَأَلَهُمْ يُونُسُ أَنْ يَحْمِلُوهُ فَحَمَلُوهُ،فَلَمَّا تَوَسَّطُوا الْبَحْرَ،بَعَثَ اللَّهُ حُوتاً عَظِيماً،فَحَبَسَ عَلَيْهِمُ السَّفِينَةَ مِنْ قُدَّامِهَا،فَنَظَرَ إِلَيْهِ يُونُسُ فَفَزِعَ مِنْهُ وَ صَارَ إِلَى مُؤَخَّرِ السَّفِينَةِ،فَدَارَ الْحُوتُ إِلَيْهِ وَ فَتَحَ فَاهُ،فَخَرَجَ أَهْلُ السَّفِينَةِ،فَقَالُوا:
فِينَا عَاصٍ،فَتَسَاهَمُوا،فَخَرَجَ سَهْمُ يُونُسَ،وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ،فَأَخْرَجُوهُ، فَأَلْقَوْهُ فِي الْبَحْرِ،فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَ هُوَ مُلِيمٍ،وَ مَرَّ بِهِ فِي الْمَاءِ.
وَ قَدْ سَأَلَ بَعْضُ الْيَهُودِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَنْ سِجْنٍ طَافَ أَقْطَارَ الْأَرْضِ [١] بِصَاحِبِهِ،فَقَالَ:يَا يَهُودِيُّ، أَمَّا السِّجْنُ الَّذِي طَافَ أَقْطَارَ الْأَرْضِ بِصَاحِبِهِ فَإِنَّهُ الْحُوتُ الَّذِي حُبِسَ يُونُسُ فِي بَطْنِهِ،وَ دَخَلَ فِي بَحْرِ الْقُلْزُمِ،ثُمَّ خَرَجَ إِلَى بَحْرِ مِصْرَ،ثُمَّ دَخَلَ فِي بَحْرِ طَبَرِسْتَانَ،ثُمَّ دَخَلَ فِي دِجْلَةَ الْعَوْرَاءِ [٢]،ثُمَّ مَرَّتْ بِهِ تَحْتَ الْأَرْضِ حَتَّى لَحِقَتْ بِقَارُونَ،وَ كَانَ قَارُونُ هَلَكَ فِي أَيَّامِ مُوسَى،وَ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكاً يُدْخِلُهُ فِي الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ قَامَةَ رَجُلٍ،وَ كَانَ يُونُسُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ يُسَبِّحُ اللَّهَ وَ يَسْتَغْفِرُهُ،فَسَمِعَ قَارُونُ صَوْتَهُ،فَقَالَ لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِهِ:أَنْظِرْنِي،فَإِنِّي أَسْمَعُ كَلاَمَ آدَمِيٍّ.فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِهِ:أَنْظِرْهُ.فَأَنْظَرَهُ.
ثُمَّ قَالَ قَارُونُ:مَنْ أَنْتَ؟قَالَ يُونُسُ:أَنَا الْمُذْنِبُ الْخَاطِئُ يُونُسُ بْنُ مَتَّى.قَالَ:فَمَا فَعَلَ الشَّدِيدُ الْغَضَبِ لِلَّهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ؟قَالَ:هَيْهَاتَ،هَلَكَ.قَالَ:فَمَا فَعَلَ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ عَلَى قَوْمِهِ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ؟قَالَ:هَلَكَ.قَالَ:
فَمَا فَعَلَتْ كُلْثُمُ بِنْتُ عِمْرَانَ،الَّتِي كَانَتْ سُمِّيَتْ لِي؟قَالَ:هَيْهَاتَ،مَا بَقِيَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ أَحَدٌ.قَالَ قَارُونُ:وَا أَسَفاً عَلَى آلِ عِمْرَانَ.فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ،فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ بِهِ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ الْعَذَابَ أَيَّامَ الدُّنْيَا،فَرَفَعَ عَنْهُ.
فَلَمَّا رَأَى يُونُسُ ذَلِكَ نَادَى فِي الظُّلُمَاتِ:أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ،إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ،وَ أَمَرَ الْحُوتَ أَنْ يَلْفِظَهُ،فَلَفَظَهُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ،وَ قَدْ ذَهَبَ جِلْدُهُ وَ لَحْمُهُ،وَ أَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ- وَ هِيَ الدُّبَّاءُ-فَأَظَلَّتْهُ عَنِ الشَّمْسِ،فَشَكَرَ [٣]،ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ الشَّجَرَةَ فَتَنَحَّتْ عَنْهُ،وَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ،فَجَزِعَ،فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:يَا يُونُسُ،لِمَ لَمْ تَرْحَمْ مِائَةَ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وَ أَنْتَ تَجْزَعُ مِنْ أَلَمِ سَاعَةٍ!فَقَالَ:يَا رَبِّ،عَفْوَكَ عَفْوَكَ.فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَدَنَهُ،وَ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ،وَ آمَنُوا بِهِ،وَ هُوَ قَوْلُهُ: فَلَوْ لاٰ كٰانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهٰا إِيمٰانُهٰا إِلاّٰ قَوْمَ يُونُسَ لَمّٰا آمَنُوا كَشَفْنٰا عَنْهُمْ عَذٰابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ مَتَّعْنٰاهُمْ إِلىٰ حِينٍ [٤]»وَ قَالُوا:مَكَثَ يُونُسَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِي
[١] في«ج،ي،ط»:البحر.
[٢] في«ي،ط»:دجلة الغور،و في المصدر:دجلة الغورا،و هو تصحيف صحيحه ما أثبتناه،و دجلة العوراء:اسم لدجلة البصرة،علم لها.«مجمع البلدان ٢:٤٤٢».
[٣] في«ج،ي،ط»:فسكن.
[٤] يونس ١٠:٩٨.