البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٦٥ - لقمان آيه ١٣-١٢
يَرَاهُمْ،فَقَالُوا:يَا لُقْمَانُ،هَلْ لَكَ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ تَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ؟فَقَالَ لُقْمَانُ:إِنْ أَمَرَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ فَالسَّمْعَ وَ الطَّاعَةَ،لِأَنَّهُ إِنْ فَعَلَ بِي ذَلِكَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ وَ عَلَّمَنِي وَ عَصَمَنِي،وَ إِنْ هُوَ خَيَّرَنِي قَبِلْتُ الْعَافِيَةَ.
فَقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ:يَا لُقْمَانُ،لِمَ قُلْتَ ذَلِكَ؟قَالَ:لِأَنَّ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ بِأَشَدِّ الْمَنَازِلِ مِنَ الدِّينِ،وَ أَكْثَرِهَا فِتَناً وَ بَلاَءً،وَ يَخْذُلُ وَ لاَ يُعَانُ،وَ يَغْشَاهُ الظُّلْمُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ،وَ صَاحِبُهُ فِيهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ:إِنْ أَصَابَ فِيهِ الْحَقَّ فَبِالْحَرِيِّ [١] أَنْ يَسْلَمَ،وَ إِنْ أَخْطَأَ أَخْطَأَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ،وَ مَنْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا ذَلِيلاً وَ ضَعِيفاً،وَ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ فِي الْمَعَادِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَكِيماً [٢] سَرِيّاً شَرِيفاً،وَ مَنِ اخْتَارَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ يَخْسَرُهُمَا كِلْتَيْهِمَا،تَزُولُ هَذِهِ وَ لاَ يُدْرِكُ تِلْكَ-قَالَ-فَتَعَجَّبَتِ الْمَلاَئِكَةُ مِنْ حِكْمَتِهِ،وَ اسْتَحْسَنَ الرَّحْمَنُ مَنْطِقَهُ.
فَلَمَّا أَمْسَى وَ أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ،أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِكْمَةَ،فَغَشَّاهُ بِهَا مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ وَ هُوَ نَائِمٌ،وَ غَطَّاهُ بِالْحِكْمَةِ غِطَاءً،فَاسْتَيْقَظَ وَ هُوَ أَحْكَمُ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ،وَ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ يَنْطِقُ بِالْحِكْمَةِ وَ يَبُثُّهَا [٣] فِيهَا-قَالَ-فَلَمَّا أُوتِيَ الْحُكْمَ،وَ لَمْ يَقْبَلْهُ،أَمَرَ اللَّهُ الْمَلاَئِكَةَ فَنَادَتْ دَاوُدَ بِالْخِلاَفَةِ،فَقَبِلَهَا وَ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا بِشَرْطِ لُقْمَانَ،فَأَعْطَاهُ اللَّهُ الْخِلاَفَةَ فِي الْأَرْضِ وَ ابْتُلِيَ فِيهَا غَيْرَ مَرَّةٍ،كُلَّ ذَلِكَ يَهْوِي فِي الْخَطَأِ وَ يُقِيلُهُ اللَّهُ وَ يَغْفِرُهُ لَهُ.
وَ كَانَ لُقْمَانُ يُكْثِرُ زِيَارَةَ دَاوُدَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ يَعِظُهُ بِمَوَاعِظِهِ وَ حِكْمَتِهِ وَ فَضْلِ عِلْمِهِ،وَ كَانَ دَاوُدُ يَقُولُ لَهُ:طُوبَى لَكَ-يَا لُقْمَانُ-أُوتِيتَ الْحِكْمَةَ،وَ صُرِفَتْ عَنْكَ الْبَلِيَّةُ،وَ أُعْطِيَ دَاوُدُ الْخِلاَفَةَ،وَ ابْتُلِيَ بِالْحُكْمِ وَ الْفِتْنَةِ».
قَالَ:ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَ إِذْ قٰالَ لُقْمٰانُ لاِبْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يٰا بُنَيَّ لاٰ تُشْرِكْ بِاللّٰهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ .
قَالَ:«فَوَعَظَ لُقْمَانُ ابْنَهُ بَاثَارَ حَتَّى تَفَطَّرَ وَ انْشَقَّ [٤]،فَكَانَ فِيمَا وَعَظَهُ بِهِ-يَا حَمَّادُ-أَنْ قَالَ لَهُ:يَا بُنَيَّ،إِنَّكَ مُنْذُ سَقَطْتَ إِلَى الدُّنْيَا اسْتَدْبَرْتَهَا وَ اسْتَقْبَلْتَ الْآخِرَةَ،فَدَارٌ أَنْتَ إِلَيْهَا تَسِيرُ أَقْرَبُ إِلَيْكَ مِنْ دَارٍ أَنْتَ عَنْهَا مُتَبَاعِدٌ.
يَا بُنَيَّ،جَالِسِ الْعُلَمَاءَ وَ زَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْكَ،وَ لاَ تُجَادِلْهُمْ فَيَمْنَعُوكَ،وَ خُذْ مِنَ الدُّنْيَا بَلاَغاً،وَ لاَ تَرْفُضْهَا فَتَكُونَ عِيَالاً عَلَى النَّاسِ،وَ لاَ تَدْخُلْ فِيهَا دُخُولاً يُضِرُّ بِآخِرَتِكَ،وَ صُمْ صَوْماً يَقْطَعُ شَهْوَتَكَ،وَ لاَ تَصُمْ صَوْماً يَمْنَعُكَ عَنِ الصَّلاَةِ،فَإِنَّ الصَّلاَةَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الصِّيَامِ.
يَا بُنَيَّ،إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ هَلَكَ فِيهَا عَالَمٌ كَثِيرٌ،فَاجْعَلْ سَفِينَتَكَ فِيهَا الْإِيمَانَ،وَ اجْعَلْ شِرَاعَهَا التَّوَكُّلَ، وَ اجْعَلْ زَادَكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ،فَإِنْ نَجَوْتَ فَبِرَحْمَةِ اللَّهِ،وَ إِنْ هَلَكْتَ فَبِذُنُوبِكَ.
يَا بُنَيَّ،إِنْ تَأَدَّبْتَ صَغِيراً انْتَفَعْتَ بِهِ كَبِيراً،وَ مَنْ عُنِيَ بِالْأَدَبِ اهْتَمَّ بِهِ،وَ مَنِ اهْتَمَّ بِهِ تَكَلَّفَ عِلْمَهُ،وَ مَنْ تَكَلَّفَ عِلْمَهُ اشْتَدَّ طَلَبُهُ،وَ مَنِ اشْتَدَّ طَلَبُهُ أَدْرَكَ مَنْفَعَتَهُ،فَاتَّخِذْهُ عَادَةً،فَإِنَّكَ تَخْلُفُ فِي سَلَفِكَ،وَ يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ خَلَفَكَ،وَ يَرْتَجِيكَ فِيهِ رَاغِبٌ،وَ يَخْشَى صَوْلَتُكَ رَاهِبٌ،وَ إِيَّاكَ وَ الْكَسَلَ عَنْهُ بِالطَّلَبِ لِغَيْرِهِ،فَإِنْ غُلِبْتَ عَلَى الدُّنْيَا
[١] الحريّ:الجدير و الخليق.«النهاية ١:٣٧٥».
[٢] في المصدر:حكما.
[٣] في المصدر:و يثبتها.
[٤] قال المجلسي(رحمه اللّه):قوله:«حتّى تفطّر و انشقّ»كناية عن غاية تأثير الحكمة فيه،البحار ١٣:٤١٣.