البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٥٩ - القصص آيه ١٣-٧
فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ذٰلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاٰ عُدْوٰانَ عَلَيَّ [١]أَيْ لاَ سَبِيلَ عَلَيَّ إِنْ عَمِلْتُ عَشْرَ سِنِينَ،أَوْ ثَمَانَ سِنِينَ.فَقَالَ مُوسَى وَ اللّٰهُ عَلىٰ مٰا نَقُولُ وَكِيلٌ [٢]».
قَالَ:قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):أَيَّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى؟قَالَ:«أَتَمَّهَا عَشْرَ سِنِينَ».
قُلْتُ لَهُ:فَدَخَلَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْأَجَلَ،أَوْ بَعْدَهُ؟قَالَ:«قَبْلُ».
قُلْتُ:فَالرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ،وَ يَشْتَرِطُ لِأَبِيهَا إِجَارَةَ شَهْرَيْنِ مَثَلاً،أَ يَجُوزُ ذَلِكَ؟قَالَ:«إِنَّ مُوسَى عَلِمَ أَنَّهُ يُتِمُّ لَهُ شَرْطَهُ،فَكَيْفَ لِهَذَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى يَفِيَ».
قُلْتُ لَهُ:جُعِلْتُ فِدَاكَ،أَيُّهُمَا زَوَّجَهُ شُعَيْبٌ مِنْ بَنَاتِهِ؟قَالَ:«الَّتِي ذَهَبَتْ إِلَيْهِ فَدَعَتْهُ،وَ قَالَتْ لِأَبِيهَا: يٰا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [٣]».
«فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ،قَالَ لِشُعَيْبٍ:لاَ بُدَّ لِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَى وَطَنِي،وَ أُمِّي،وَ أَهْلِ بَيْتِي،فَمَا لِي عِنْدَكَ؟ فَقَالَ شُعَيْبٌ:مَا وَضَعَتْ أَغْنَامِي فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ غَنَمٍ بُلْقٍ [٤] فَهُوَ لَكَ؟فَعَمَدَ مُوسَى عِنْدَ مَا أَرَادَ أَنْ يُرْسِلَ الْفَحْلَ عَلَى الْغَنَمِ إِلَى عَصًا،فَشَقَّ [٥] مِنْهَا بَعْضاً،وَ تَرَكَ بَعْضاً،وَ غَرَزَهَا فِي وَسَطِ مَرْبِضِ الْغَنَمِ،وَ أَلْقَى عَلَيْهَا كِسَاءً أَبْلَقَ،ثُمَّ أَرْسَلَ الْفَحْلَ عَلَى الْغَنَمِ،فَلَمْ تَضَعِ الْغَنَمُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إِلاَّ بُلْقاً.
فَلَمَّا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ،حَمَلَ مُوسَى امْرَأَتَهُ،وَ زَوَّدَهُ شُعَيْبٌ مِنْ عِنْدِهِ،وَ سَاقَ غَنَمَهُ،فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ،قَالَ لِشُعَيْبٍ:أَبْغِي عَصًا تَكُونُ مَعِي،وَ كَانَتْ عِصِيُّ الْأَنْبِيَاءِ عِنْدَهُ،قَدْ وَرِثَهَا مَجْمُوعَةً فِي بَيْتٍ،فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ:اُدْخُلْ هَذَا الْبَيْتَ،وَ خُذْ عَصًا مِنْ بَيْنِ الْعِصِيِّ.فَدَخَلَ،فَوَثَبَتْ إِلَيْهِ عَصَا نُوحٍ وَ إِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)،وَ صَارَتْ فِي كَفِّهِ، فَأَخْرَجَهَا،وَ نَظَرَ إِلَيْهَا شُعَيْبٌ،فَقَالَ:رُدَّهَا،وَ خُذْ غَيْرَهَا.فَرَدَّهَا لِيَأْخُذَ غَيْرَهَا،فَوَثَبَتْ إِلَيْهِ تِلْكَ بِعَيْنِهَا،فَرَدَّهَا،حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ،فَلَمَّا رَأَى شُعَيْبٌ ذَلِكَ،قَالَ لَهُ:اِذْهَبْ،فَقَدْ خَصَّكَ اللَّهُ بِهَا.
فَسَاقَ غَنَمَهُ،فَخَرَجَ يُرِيدُ مِصْرَ،فَلَمَّا صَارَ فِي مَفَازَةٍ وَ مَعَهُ أَهْلُهُ،أَصَابَهُمْ بَرْدٌ شَدِيدٌ وَ رِيحٌ وَ ظُلْمَةٌ،وَ جَنَّهُمُ اللَّيْلُ،فَنَظَرَ مُوسَى إِلَى نَارٍ قَدْ ظَهَرَتْ،كَمَا قَالَ اللَّهُ: فَلَمّٰا قَضىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَ سٰارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جٰانِبِ الطُّورِ نٰاراً قٰالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نٰاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهٰا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّٰارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [٦]،فَأَقْبَلَ نَحْوَ النَّارِ يَقْتَبِسُ،فَإِذَا شَجَرَةٌ وَ نَارٌ تَلْتَهِبُ عَلَيْهَا،فَلَمَّا ذَهَبَ نَحْوَ النَّارِ يَقْتَبِسُ مِنْهَا أَهْوَتْ إِلَيْهِ،فَفَزِعَ مِنْهَا وَ عَدَا، وَ رَجَعَتِ النَّارُ إِلَى الشَّجَرَةِ،فَالْتَفَتَ إِلَيْهَا وَ قَدْ رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا،فَرَجَعَ الثَّانِيَةَ لِيَقْتَبِسَ،فَأَهْوَتْ إِلَيْهِ،فَعَدَا وَ تَرَكَهَا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهَا وَ قَدْ رَجَعَتْ إِلَى الشَّجَرَةِ،فَرَجَعَ إِلَيْهَا ثَالِثَةً،فَأَهْوَتْ إِلَيْهِ،فَعَدَا وَ لَمْ يُعَقِّبْ،أَيْ لَمْ يَرْجِعْ،فَنَادَاهُ اللَّهُ:
[١] [٢] القصص ٢٨:٢٨.
[٣] القصص ٢٨:٢٦.
[٤] البلق:سواد و بياض،و بلق الدابّة:ارتفاع التحجيل إلى الفخذين.«لسان العرب-بلق-١٠:٢٥».
[٥] في المصدر:فقشر.
[٦] القصص ٢٨:٢٩.