البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٥٨ - القصص آيه ١٣-٧
رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ [١] .
وَ مَرَّ نَحْوَ مَدْيَنَ،وَ كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَدْيَنَ مَسِيرَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ،فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ مَدْيَنَ،رَأَى بِئْراً يَسْتَقِي النَّاسُ مِنْهَا لِأَغْنَامِهِمْ وَ دَوَابِّهِمْ،فَقَعَدَ نَاحِيَةً،وَ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ مُنْذُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ شَيْئاً،فَنَظَرَ إِلَى جَارِيَتَيْنِ فِي نَاحِيَةٍ،وَ مَعَهُمَا غُنَيْمَاتٌ، لاَ تَدْنُوَانِ مِنَ الْبِئْرِ،فَقَالَ لَهُمَا:مَا لَكُمَا لاَ تَسْتَقِيَانِ؟قَالَتَا،كَمَا حَكَى اللَّهُ: لاٰ نَسْقِي حَتّٰى يُصْدِرَ الرِّعٰاءُ وَ أَبُونٰا شَيْخٌ كَبِيرٌ [٢]،فَرَحِمَهُمَا مُوسَى،وَ دَنَا مِنَ الْبِئْرِ،فَقَالَ لِمَنْ عَلَى الْبِئْرِ:أَسْتَقِي لِي دَلْواً،وَ لَكُمْ دَلْواً،وَ كَانَ الدَّلْوُ يُمِدُّهُ [٣]عَشْرَةُ رِجَالٍ،فَاسْتَقَى وَحْدَهُ دَلْواً لِمَنْ عَلَى الْبِئْرِ وَ دَلْواً لِبِنْتَيْ شُعَيْبٍ،وَ سَقَى أَغْنَامَهُمَا ثُمَّ تَوَلّٰى إِلَى الظِّلِّ فَقٰالَ رَبِّ إِنِّي لِمٰا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [٤]وَ كَانَ شَدِيدَ الْجُوعِ.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):إِنَّ مُوسَى كَلِيمُ اللَّهِ حَيْثُ سَقَى لَهُمَا،ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ،فَقَالَ:رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ،وَ اللَّهِ مَا سَأَلَ اللَّهَ إِلاَّ خُبْزاً يَأْكُلُ،لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ،وَ لَقَدْ رَأَوْا خُضْرَةَ الْبَقْلِ فِي صِفَاقِ بَطْنِهِ،مِنْ هُزَالِهِ.
فَلَمَّا رَجَعَتْ بِنْتَا شُعَيْبٍ إِلَى شُعَيْبٍ،قَالَ لَهُمَا:أَسْرَعْتُمَا الرُّجُوعَ!فَأَخْبَرَتَاهُ بِقِصَّةِ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ لَمْ تَعْرِفَاهُ،فَقَالَ شُعَيْبٌ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا:اِذْهَبِي إِلَيْهِ،فَادْعِيهِ لِنَجْزِيَهُ أَجْرَ مَا سَقَى لَنَا.فَجَاءَتْ إِلَيْهِ،كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى:
تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيٰاءٍ قٰالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مٰا سَقَيْتَ لَنٰا [٥] ،فَقَامَ مُوسَى مَعَهَا،وَ مَشَتْ أَمَامَهُ، فَصَفَقَتْهَا [٦] الرِّيحُ،فَبَانَ عَجُزُهَا،فَقَالَ لَهَا مُوسَى:تَأَخَّرِي،وَ دُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ بِحَصَاةٍ تَلَقَّيْنَهَا أَمَامِي أَتْبَعْهَا،فَأَنَا مِنْ قَوْمٍ لاَ يَنْظُرُونَ فِي أَدْبَارِ النِّسَاءِ.
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى شُعَيْبٍ،قَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ،فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لاٰ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ [٧]، قَالَتْ إِحْدَى بَنَاتِ شُعَيْبٍ: يٰا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [٨].فَقَالَ لَهَا شُعَيْبٌ:أَمَّا قُوَّتُهُ،فَقَدْ عَرَفْتِهِ بِسَقْيِ الدَّلْوِ وَحْدَهُ،فَبِمَ عَرَفْتِ أَمَانَتَهُ؟فَقَالَتْ لَهُ:إِنَّهُ لَمَّا قَالَ لِي:تَأَخَّرِي عَنِّي،وَ دُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ،فَأَنَا مِنْ قَوْمٍ لاَ يَنْظُرُونَ فِي أَدْبَارِ النِّسَاءِ،عَرَفْتُ أَنَّهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ لاَ يَنْظُرُونَ أَعْجَازَ النِّسَاءِ،فَهَذِهِ أَمَانَتُهُ.
فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ مٰا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ مِنَ الصّٰالِحِينَ [٩].
[١] القصص ٢٨:٢٠ و ٢١.
[٢] القصص ٢٨:٢٣.
[٣] في«ج،ي،ط»:بيد.
[٤] القصص ٢٨:٢٤.
[٥] [٦] القصص ٢٨:٢٥.
[٧] الصّفق:الضرب الذي يسمع له صوت.«لسان العرب-صفق-١٠:٢٠٠».
[٨] القصص ٢٨:٢٦.
[٩] القصص ٢٨:٢٧.