البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٢٢ - الأحزاب آيه ٢٢-٩
إِلاَّ آثَارُ أَصَابِعِهِمْ،ثُمَّ قَالَ:«يَا جَابِرُ عَلَيَّ بِالذِّرَاعِ»فَأَتَيْتُهُ،فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،كَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ؟قَالَ:«ذِرَاعَانِ».
فَقُلْتُ:وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً،لَقَدْ أَتَيْتُكَ بِثَلاَثَةٍ.فَقَالَ:«أَمَا لَوْ سَكَتَّ-يَا جَابِرُ-لَأَكَلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مِنَ الذِّرَاعِ».قَالَ:
«يَا جَابِرُ،أَدْخِلْ عَشَرَةً».فَأَقْبَلْتُ أُدْخِلُ عَشَرَةً عَشَرَةً،فَيَأْكُلُونَ،حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ،وَ بَقِيَ لَنَا-وَ اللَّهِ-مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ مَا عِشْنَا بِهِ أَيَّاماً.
قَالَ:وَ حَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)الْخَنْدَقَ،وَ جَعَلَ لَهُ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ،وَ جَعَلَ عَلَى كُلِّ بَابٍ رَجُلاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ،وَ رَجُلاً مِنَ الْأَنْصَارِ،مَعَ جَمَاعَةٍ يَحْفَظُونَهُ،وَ قَدِمَتْ قُرَيْشٌ،وَ كِنَانَةُ،وَ سُلَيْمٌ،وَ هِلاَلٌ،فَنَزَلُوا الزُّغَابَةَ [١]، فَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِنْ حَفْرِ الْخَنْدَقِ قَبْلَ قُدُومِ قُرَيْشٍ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ.
وَ أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ،وَ مَعَهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ،فَلَمَّا نَزَلُوا الْعَقِيقَ جَاءَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ،وَ كَانُوا فِي حِصْنِهِمْ قَدْ تَمَسَّكُوا بِعَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَدَقَّ بَابَ الْحِصْنِ،فَسَمِعَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ قَرْعَ الْبَابِ،فَقَالَ لِأَهْلِهِ:هَذَا أَخُوكِ قَدْ شَأَمَ قَوْمَهُ،وَ جَاءَ الْآنَ يَشْأَمُنَا،وَ يُهْلِكُنَا،وَ يَأْمُرُنَا بِنَقْضِ الْعَهْدِ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَ قَدْ وَفَى لَنَا مُحَمَّدٌ،وَ أَحْسَنَ جِوَارَنَا.فَنَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ غُرْفَتِهِ،فَقَالَ لَهُ:مَنْ أَنْتَ؟قَالَ:حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ،قَدْ جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ.قَالَ:كَعْبٌ:بَلْ جِئْتَنِي بِذُلِّ الدَّهْرِ.فَقَالَ:يَا كَعْبُ،هَذِهِ قُرَيْشٌ فِي قَادَتِهَا وَ سَادَتِهَا قَدْ نَزَلَتْ بِالْعَقِيقِ،مَعَ حُلَفَائِهِمْ مِنْ كِنَانَةَ،وَ هَذِهِ فَزَارَةُ،مَعَ قَادَتِهَا وَ سَادَتِهَا قَدْ نَزَلَتِ الزُّغَابَةَ،وَ هَذِهِ سُلَيْمٌ وَ غَيْرُهُمْ قَدْ نَزَلُوا حِصْنَ بَنِي ذُبْيَانَ،وَ لاَ يُفْلِتُ مُحَمَّدٌ وَ أَصْحَابُهُ مِنْ هَذَا الْجَمْعِ أَبَداً،فَافْتَحِ الْبَابَ،وَ انْقُضِ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ.فَقَالَ كَعْبٌ:لَسْتُ بِفَاتِحٍ لَكَ الْبَابَ،ارْجِعْ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ.فَقَالَ حُيَيُّ:مَا يَمْنَعُكَ مِنْ فَتْحِ الْبَابِ إِلاَّ جَشِيشَتُكَ [٢] الَّتِي فِي التَّنُّورِ،تَخَافُ أَنْ أَشْرَكَكَ فِيهَا،فَافْتَحْ فَإِنَّكَ آمِنٌ مِنْ ذَلِكَ.فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ:لَعَنَكَ اللَّهُ،لَقَدْ دَخَلْتَ عَلَيَّ مِنْ بَابِ دَقِيقٍ.ثُمَّ قَالَ:اِفْتَحُوا لَهُ الْبَابَ.فَفَتَحُوا لَهُ،فَقَالَ:وَيْلَكَ-يَا كَعْبُ-اِنْقَضِ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ،وَ لاَ تَرُدَّ رَأْيِي،فَإِنَّ مُحَمَّداً لاَ يُفْلِتُ مِنْ هَذَا الْجَمْعِ أَبَداً،فَإِنْ فَاتَكَ هَذَا الْوَقْتُ لاَ تُدْرِكُ مِثْلُهُ أَبَداً.
قَالَ:فَاجْتَمَعَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي الْحِصْنِ مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ،مِثْلِ:غَزَّالِ بْنِ شُمُولِ،وَ يَاسِرٍ بْنِ قَيْسٍ،وَ رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ،وَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا،فَقَالَ لَهُمْ كَعْبُ:مَا تَرَوْنَ؟قَالُوا:أَنْتَ سَيِّدُنَا،وَ الْمُطَاعُ فِينَا،وَ صَاحِبُ عَهِدْنَا وَ عَقْدِنَا،فَإِنْ نَقَضْتَ نَقَضْنَا،وَ إِنْ أَقَمْتَ أَقَمْنَا مَعَكَ،وَ إِنْ خَرَجْتَ خَرَجْنَا مَعَكَ.فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا-وَ كَانَ شَيْخاً كَبِيراً مُجَرِّباَ،قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ-:قَدْ قَرَأْتُ التَّوْرَاةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي سَفَرِنَا بِأَنَّهُ يُبْعَثْ نَبِيٌّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ،يَكُونُ مَخْرَجُهُ بِمَكَّةَ، وَ مُهَاجَرَتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ الْبَحِيرَةِ [٣] يَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَرِيَّ [٤]،وَ يَلْبَسُ الشَّمْلَةَ [٥]،وَ يَجْتَزِئُ بِالْكُسَيْرَاتِ
[١] زغابة:موضع قرب المدينة.«معجم البلدان ٣:١٤١».
[٢] الجشيش:السويق،الواحدة جشيشة.و حنطة تطحن جليلا فتجعل في قدر،و يجعل فيها لحم أو تمر،فيطبخ.«أقرب الموارد-جشّ- ١:١٢٤».
[٣] البحرة:البلدة،و البحيرة:مدينة رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)،و هو تصغير البحرة.«النهاية ١:١٠٠».
[٤] أي الخالي من السرج.
[٥] الشملة كساء يشتمل به الرجل.«مجمع البحرين-شمل-٥:٤٠٤».