البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٤٨ - القصص آيه ٤
تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ.وَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى،قَالَ:يَا مُوسَى،إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ، فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ.
فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ،فَخَرَجَ مِنْ مِصْرَ بِغَيْرِ ظَهْرٍ وَ لاَ دَابَّةٍ وَ لاَ خَادِمٍ،تَخْفِضُهُ أَرْضٌ وَ تَرْفَعُهُ أُخْرَى،حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَرْضِ مَدْيَنَ،فَانْتَهَى إِلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ فَنَزَلَ،فَإِذَا تَحْتَهَا بِئْرٌ،وَ إِذَا عِنْدَهَا امَّةٌ مِنَ النَّاسِ يُسْقَوْنَ،وَ إِذَا جَارِيَتَانِ ضَعِيفَتَانِ،وَ إِذَا مَعَهُمَا غُنَيْمَةٌ لَهُمَا،قَالَ:مَا خَطْبُكُمَا؟قَالَتَا:أَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ،وَ نَحْنُ جَارِيَتَانِ ضَعِيفَتَانِ لاَ نَقْدِرُ أَنْ نُزَاحِمَ الرِّجَالَ،فَإِذَا سَقَى النَّاسُ سَقَيْنَا.فَرَحِمَهُمَا مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَأَخَذَ دَلْوَهُمَا،وَ قَالَ لَهُمَا:قَدِّمَا غَنَمَكُمَا.فَسَقَى لَهُمَا،ثُمَّ رَجَعَتَا بُكْرَةً قَبْلَ النَّاسِ،ثُمَّ أَقْبَلَ مُوسَى إِلَى الشَّجَرَةِ،فَجَلَسَ تَحْتَهَا،وَ قَالَ: رَبِّ إِنِّي لِمٰا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [١]فَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى شِقِّ تَمْرَةٍ.
فَلَمَّا رَجَعَتَا إِلَى أَبِيهِمَا،قَالَ:مَا أَعْجَلَكُمَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟قَالَتَا:وَجَدْنَا رَجُلاً صَالِحاً،رَحِيماً،سَقَى [٢] لَنَا.
فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا:اِذْهَبِي فَادْعِيهِ إِلَيَّ.فَجَاءَتْهُ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ،قَالَتْ:إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا -فَرُوِيَ أَنَّ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)قَالَ لَهَا:وَجِّهِينِي إِلَى الطَّرِيقِ،وَ امْشِي خَلْفِي،فَإِنَّا بَنُو يَعْقُوبَ لاَ نَنْظُرُ فِي أَعْجَازِ النِّسَاءِ- فَلَمَّا جَاءَهُ،وَ قَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَصَ،قَالَ:لاَ تَخَفْ،نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.قَالَتْ:إِحْدَاهُمَا:يَا أَبَتِ،اسْتَأْجِرْهُ،إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ.قَالَ:إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتِي هَاتَيْنِ،عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [٣]، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ.فَرُوِيَ أَنَّهُ قَضَى أَتَمَّهُمَا،لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ(عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)لاَ يَأْخُذُونَ إِلاَّ بِالْفَضْلِ وَ التَّمَامِ.
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ،وَ سَارَ بِأَهْلِهِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ،أَخْطَأَ عَنِ الطَّرِيقِ لَيْلاً،فَرَأَى نَاراً،قَالَ لِأَهْلِهِ:
امْكُثُوا،إِنِّي آنَسْتُ نَاراً،لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ،أَوْ بِخَبَرٍ عَنِ الطَّرِيقِ.فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّارِ،إِذَا شَجَرَةٌ تَضْطَرِمُ مِنْ أَسْفَلِهَا إِلَى أَعْلاَهَا،فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا تَأَخَّرَتْ عَنْهُ،فَرَجَعَ،وَ أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً،ثُمَّ دَنَتْ مِنْهُ الشَّجَرَةُ،فَنُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ،فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ: أَنْ يٰا مُوسىٰ إِنِّي أَنَا اللّٰهُ رَبُّ الْعٰالَمِينَ* وَ أَنْ أَلْقِ عَصٰاكَ فَلَمّٰا رَآهٰا تَهْتَزُّ كَأَنَّهٰا جَانٌّ وَلّٰى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ [٤]،فَإِذَا حَيَّةٌ مِثْلُ الْجِذْعِ،لِأَنْيَابِهَا صَرِيرٌ،يَخْرُجُ مِنْهَا مِثْلُ لَهَبِ النَّارِ،فَوَلَّى مُدْبِراً،فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَ جَلَّ:اِرْجِعْ.فَرَجَعَ وَ هُوَ يَرْتَعِدُ،وَ رُكْبَتَاهُ تَصْطَكَّانِ،فَقَالَ:إِلَهِي،هَذَا الْكَلاَمُ الَّذِي أَسْمَعُ كَلاَمُكَ؟قَالَ:نَعَمْ،فَلاَ تَخَفْ.فَوَقَعَ عَلَيْهِ الْأَمَانُ،فَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى ذَنَبِهَا،ثُمَّ تَنَاوَلَ لَحْيَيْهَا،فَإِذَا يَدُهُ فِي شُعْبَةِ الْعَصَا،قَدْ عَادَتْ عَصًا،وَ قِيلَ لَهُ: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوٰادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [٥]-فَرُوِيَ أَنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِمَا لِأَنَّهُمَا كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ-وَ رُوِيَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أَيْ خَوْفَيْكَ:خَوْفَكَ مِنْ ضِيَاعِ أَهْلِكَ، وَ خَوْفَكَ مِنْ فِرْعَوْنَ-ثُمَّ أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى فِرْعَوْنَ وَ مَلَئِهِ بِآيَتَيْنِ:يَدِهِ،وَ الْعَصَا».
[١] القصص ٢٨:٢٤.
[٢] في المصدر:رحمنا فسقى.
[٣] الحجّة:السّنة.«لسان العرب-حجج-٢:٢٢٧».
[٤] القصص ٢٨:٣٠ و ٣١.
[٥] طه ٢٠:١٢.