مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - العلامة الحلي - الصفحة ١٣٨
و هذا القول ساقط من درجة الاعتبار، لأنّ المناط عند انسداد باب العلم الظن، و تجديد الرأي حسن للمجتهد، و مثل هذا التخالف بين الأقوال كان للشيخ الطوسي أيضا [١].
أقول: إذا تأمّلنا في حياة العلّامة بدقة نستطيع أنّ نتصور شيئا يسيرا من الحركة العلمية العالية آنذاك، فالتاريخ يشهد لنا أنّ العلّامة كان في زمان مزدهر بالعلم و مملوء بالعلماء الفحول ما لم يشهده زمان آخر، حتى نقل المولى الأفندي: أنه كان في عصر العلّامة في الحلّة ٤٤٠ مجتهدا [٢]، و أكده العلّامة الرازي في طبقاته [٣]، و ذكر السيد حسن الصدر أنه تخرّج من عالي مجلس تدريس العلّامة ٥٠٠ مجتهدا، و وصل المستوي العلمي في زمانه درجة بحيث كان تدريس شخص لآخر في زمان و حضور ذلك الشخص مجلس درس ذلك الآخر في علم ثان متعارفا.
هذا و الوصول إلى حكم اللّه الواقعي متعذّر في زمن الغيبة، و أكثر الفتاوى مبتنية على الظنون الخاصة و غيرها من الأدلّة غير القطعية.
فالجمع بينهما يحلّ مشكلة تعارض فتاوى العلّامة في كتبه، و ذلك لأنّ العلّامة لمّا كان يفتي بفتوى ما في الفقه أو يذهب إلى رأي ما في الأصول و العلوم العقلية، كانت تنهال عليه مناقشات العلماء و المجتهدين الجهابذة فيما أفتي به و ذهب إليه، فكان رحمه اللّه ينظر فيها و يبحثها معهم، فإن لم يقتنع بها ردّها، و إن رآها سديدة قبلها برحابة صدر و غيّر فتواه و ما ذهب إليه في مؤلّفاته الجديدة، و هلمّ جرا.
فلا داعي للالتزام لحلّ هذه المشكلة بحرصه على التأليف و استعجاله في التصنيف، و أنّ كلّ ما يرتسم في ذهنه يثبته بلا مراجعة أقواله المتقدمة، و أنّه كان لا يفحص في الأحاديث و الأدلة حقّ الفحص، فكان له التجدّد في الرأي و التلوّن في الاجتهاد! إلى غير ذلك ممّا لا تليق نسبته إلى عالم فضلا عن العلّامة على الإطلاق.
[١] قصص العلماء: ٣٦١.
[٢] رياض العلماء ١- ٣٦١.
[٣] طبقات أعلام الشيعة: ٥٣.