مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - العلامة الحلي - الصفحة ١١٨
نعم و بعد هذه المناظرة العظيمة و ببركة هذا العلّامة استبصر السلطان و عدد كبير من الأمراء و علماء العامة، فعمّت البركة في جميع الممالك و هدأت الأوضاع.
فلا بدّ أن لا ننسى فضل هذا العلّامة، فله حقّ كبير علينا لا نستطيع أن نؤدي قسما يسيرا منه.
و نعم ما قاله المحدّث البحراني بعد ذكر المناظرة: لو لم تكن له قدس سره إلّا هذه المنقبة لفاق بها على جميع العلماء فخرا و علا بها ذكرا، فكيف و مناقبه لا تعدّ و لا تحصى، و مئاثره لا يدخلها الحصر و الاستقصاء [١].
و قال الخوانساري معقبا لكلام المحدّث البحراني: و هذه اليد العظمى و المنّة الكبرى التي له على أهل الحق ممّا لم ينكره أحد من المخالفين و الموافقين، حتى أنّ في
المذهبين على الآخر، فوقع الاتفاق على أن يصلّوا بين يديه ركعتين على مذهب الامام الشافعي و على مذهب أبي حنيفة، لينظر السلطان و يتفكّر و يختار ما هو أحسنهما، فصلّى القفال المروزي- أحد علماء الشافعية- بطهارة مسيغة و شرائط معتبرة من الطهارة و الستر و استقبال القبلة، و أتى بالأركان و الهيئات و السنن و الآداب و الفرائض على وجه الكمال و التمام، و قال: هذه صلاة لا يجوز الإمام الشافعي دونها، ثمَّ صلّى ركعتين على ما يجوّز أبو حنيفة، فلبس جلد الكلب مدبوغا، و لطخ ربعه بالنجاسة و توضأ بنبيذ التمر، و كان في صميم الصيف في المفازة، فاجتمع عليه الذباب و البعوض، و كان وضوؤه منكسا منعكسا، ثمَّ استقبل القبلة و أحرم بالصلاة من غير نية في الوضوء، و كبّر بالفارسية [ثمَّ قرأ آية بالفارسية]: دو برك سبز- أي: ورقتان خضراوتان، و هو معنى قوله تعالى في سورة الرحمن «مُدْهٰامَّتٰانِ»- ثمَّ نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل و من غير ركوع، و تشهد، و ضرط في آخره من غير السلام، و قال: أيّها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة، فقال السلطان: لو لم تكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوّزها ذو دين، و أنكر الحنفية أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة، فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة، و أمر السلطان نصرانيا كاتبا يقرأ المذهبين جميعا، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة و تمسّك بمذهب الشافعي. وفيات الأعيان ٥- ١٨٠ و ١٨١.
أقول: الخرافات القبيحة الموجودة في مذهب الشافعي و مذهب أخويه لا تقلّ عن مذهب أبي حنيفة، و لو أردنا ذكر بعضها لخرجنا عن صلب البحث فنرجئها إلى موضع آخر.
[١] لؤلؤة البحرين: ٢٢٦.