نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٨١ - الفصل الرابع فى ذكر أزواجه
ابننا عندك، فامنن علينا، و أحسن في فدائه إلينا، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «فهلا غير ذلك، ادعوه فأخيّره، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، و إن اختارنى فو الله ما أنا الّذي أختار على من اختارنى شيئا»، فقالوا: قد زوّدتنا على النّصف [١] و أحسنت. فدعا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) زيدا فقال: أ تعرف هؤلاء؟ فقال: نعم، أبى و أخي و عمي، فقال: «أنا من قد علمت، و قد رأيت صحبتي، فاخترنى أو اخترهم»، فقال: ما أنا بمختار عليك أحدا، أنت منّى مكان العم و الأب. فقال له أبوه: ويحك يا زيد أ تختار العبودية على الحرية و على أبيك؟ قال: نعم؛ قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بمختار عليه أحدا. فلما رأى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك من زيد، أخرجه إلى الحجر، و قال لمن حضر: اشهدوا أن زيدا ابنى أرثه و يرثني. فطابت نفوسهم، فكان زيد يدعى: زيد بن محمد. حتى جاء الله عز و جل بالإسلام فزوّجه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) زينب بنت جحش، و هى بنت عمة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أميمة بنت عبد المطلب، فطلّقها زيد، و خلف عليها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فتكلم المنافقون و طعنوا في ذلك، و قالوا: محمد يحرّم نساء الولد و قد تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله عز و جل: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الأحزاب: ٤٠]. و نزلت: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَ مَوالِيكُمْ [٢] فدعي يومئذ: زيد بن حارثة، و نسب كل رجل تبنّاه رجل من قريش إلى أبيه، مثل سالم مولى أبى حذيفة، و عامر بن ربيعة. و كان زيد يسمى «الحبّ» [٣] لأنه حبّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فكان يقال: «الحبّ بن الحبّ»، و كان أسامة ابنه يدعى الرّدف لأن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يردفه كثيرا؛ عن عروة عن أسامة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ركب حمارا بإكاف [٤] على قطيفة، فأردف أسامة خلفه، و أتى سعد بن عبادة يعوده قبل وقعة بدر.
و لم يذكر في القرآن أحد من الصحابة باسمه إلا هو [٥]، كما أنه لم تذكر امرأة
[١] أى فعلت شيئا أكثر من الإنصاف.
[٢] الأحزاب: ٥.
[٣] بكسر الحاء، أى المحبوب.
[٤] البرذعة أو ما يقوم مقامها.
[٥] فى قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً و كفاه هذا شرفا، و أيّ شيء أعظم من هذا؟