نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٨٠ - الفصل الرابع فى ذكر أزواجه
لبنى القين في الجاهلية، و مرّوا على أبيات بنى معن، فاحتملوا زيدا و هو يومئذ غلام، فوافوا به سوق عكاظ، فاشتراه منهم حكيم بن حزام بن خويلد لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم، فلما تزوّجها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) استوهبه منها فوهبته له، فقبضه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أعتقه و تبنّاه، كما سيأتي، و كان يقال له زيد ابن محمد، و كان عمره ثمان سنين، و كان حارثة أبو زيد قال فيه حين فقد أبياتا منها:
بكيت على زيد و لم أدر ما فعل * * * أ حيّ فيرجى أم تخرّمه الأجل
فو الله ما أدرى و إن كنت سائلا * * * أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فيا ليت شعرى هل لك الدهر رجعة * * * فحسبى من الدنيا رجوعك لى يحلّ [١]
تذكّرنيه الشمس عند طلوعها * * * و يعرض ذكراه إذا عارض الطّفل [٢]
و إن هبّت الأرواح [٣]هيّجن ذكره * * * فيا طول أحزانى عليه و يا وجل
سأعمل نصّ [٤]العيس في الأرض جاهدا * * * و لا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتى أو تأتى عليّ منيّتي * * * و كلّ امري فان و إن غرّه الأمل
سأوصى به عمرا و قيسا كليهما * * * و أوصى يزيدا ثمّ من بعده جبل
يعنى جبلة بن حارثة أخا زيد، و كان أكبر من زيد، و يزيد كان أخا زيد لأمه، و هو يزيد بن كعب بن شراحيل، فحجّ ناس من كلب، فرأوا زيدا فعرفهم و عرفوه، فقال لهم: أبلغوا أهلى هذه الأبيات؛ فإني أعلم أنهم قد جزعوا عليّ، فقال:
فانطلق الكلبيون، فأعلموا أباه حارثة بمكانه و أخبروه، فخرج حارثة و كعب ابنا شراحيل، و جبلة بن حارثة بفدائه، فقدموا مكة، فسألوا عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقيل:
هو في المسجد، فدخلوا عليه، فقالوا: يا ابن عبد الله و عبد المطلب و ابن هاشم سيد قومه، أنتم حرم الله و جيرانه، تفكّون العاني، و تطعمون الضيف، جئناك في
[١] أى تعظيما.
[٢] الطفل: إقبال الليل و الظلمة.
[٣] الأرواح: لغة في الرياح.
[٤] نص العيس: منتهى ما تصل إليه. العيس: الإبل الكريمة.