نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٤٦ - الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات
و لما خرج جعفر رضى الله عنه من الحبشة لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، بعث النجاشى أريحا ابنه في ستين رجلا من الحبشة إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فركبوا سفينة في أثر جعفر و أصحابه، حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا، و الحكمة في ذلك- و الله سبحانه و تعالى أعلم- لو أنهم جاءوا إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و وصلوا إليه، ربما كان الكفار و المنافقون يقولون: «إن محمدا ما به ملكة (أى قوة و سلطان) و اشتد أزره بملك الحبشة و أصحابه»، فأراد الله تعالى أن يظهر للناس كافة أن قوة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من قبله عز و جل، لئلا يشك في ذلك أحد أن قوته من ملك أو سلطان أو وزراء أو أعوان كما هو مصرّح به في بعض الكتب المعتبرة. و وافى جعفر و أولاده الثلاثة عبد الله، و محمد، و عون، و من دخل في الإسلام هناك على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في خيبر، فى سفينتين، و فيهم سبعون رجلا من الحبشة، عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان و ستون من الحبشة، و ثمان من أهل الشام، فقرأ عليهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) سورة يس إلى اخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن، و آمنوا و قالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى، فأنزل الله تعالى: وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى [المائدة: ٨٢]، يعنى وفد النجاشى الذين قدموا مع جعفر ابن أبى طالب، و كانوا من أهل الصوامع، و أما قوله تعالى: وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِ [١] الآية.
قال ابن عباس رضى الله عنهما (فى رواية عطاء): يريد النجاشى و أصحابه، قرأ عليهم جعفر بالحبشة كهيعص [سورة مريم] ما زالوا يبكون حتّى فرغ جعفر من القراءة. كذا في تفسير البغوى (رحمه الله تعالى).
و لما أقبل عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جعفر رضى الله عنه، قام (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى جعفر و قبّله بين عينيه، و قال: ما أدرى بأيهما أسرّ بقدم جعفر أم بفتح خيبر؟.
و عن ابن عباس رضى الله عنهما لما قدم جعفر رضى الله عنه من أرض الحبشة، اعتنقه النبىّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قبّله بين عينيه. و جعل ذلك أصلا لاستحباب المعانقة، و قال بعضهم إنها مكروهة، و حديث جعفر يحتمل أن يكون قبل النهى عنها، و لم يجب بذلك الإمام مالك رضى الله عنه؛ فإنه لما قدم سفيان بن عيينة رضى الله
[١] سورة المائدة: ٨٢.