نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٧٣ - و مباح
بأنها أفضل من ليلة القدر و حرّره؛ فإنّي لا أعلم من سبقنى إلى هذا المبحث بالخوض و التحرير: (يكفى في تفضيل ليلة المولد على ليلة الإسراء أنه لم يقع مفاضلة بينها و بين ليلة الإسراء، و إنما وقع التفضيل بين ليلة الإسراء و ليلة القدر، و بين ليلة المولد و ليلة القدر، حتى لو قيل بتفضيل ليلة الإسراء على ليلة القدر، لا ينتج منه فضل ليلة الإسراء على ليلة الولادة، و سيأتى في كلامه ما يؤيد ذلك في الكلام على تفضيل الليل على النهار. و سيأتى أيضا فى كلام الشيخ ما يؤيده، ثم هاهنا تنبيه و هو أنهم لم يتكلموا على ليلة حمله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحسب المفاضلة، مع أنها أوّل زمان ظهوره الخارجي، و تنبيه اخر: و هو أنهم لم يخصوا ذلك باللحظة التى خرج فيها من الرحم، مع أنه ينبغى أن يقصر عليها لأنها لحظة الظهور، و باقى الليلة خال عنه، فحكمه حكم باقى أيام وجوده، و أما ليلة القدر فجميعها ظرف لنزول القرآن و قسم الأرزاق و نزول الملائكة و محق الذنوب و إعطاء المطلوب. و انظر على القول بأنه ولد نهارا، و ينبغى أن تلك اللحظة أو جميع اليوم أفضل من ليلة القدر، و من يوم ليلة القدر، و إن كان العمل في يومها كالعمل في ليلتها، فإن قلت: فما معنى أفضلية ما ذكر من الليل و غيره لكونه خصّ بما وجد فيه دون غيره أو في نفسه؟ و ما معنى أفضليته في نفسه، و الزمان لا يفضّل بعضه على بعض؟
فقد قال إمام العلماء العز بن عبد السلام: «إن الأزمنة و الأمكنة كلها متساوية، و يفضلان بما يقع فيهما، لا بصفات قائمة بهما، و يرجع تفضيلهما إلى ما ينيل الله العباد فيهما، و إن التفضيل الّذي فيهما أن الله يجود على عباده بتفضيل أجر العاملين فيهما» قلت: بل الأزمنة و الأمكنة يفضل بعضها على بعض بتفضيل الله تعالى، و لا مانع أن يخص الله تعالى بعض مخلوقاته من زمان أو مكان بفضل ليس في الآخر، كما خصّ الله بعض الآدميين و الملائكة.
و قال الإمام تقى الدين السبكى عقب حكايته لكلام ابن عبد السلام:
«و أنا أقول: قد يكون التفضيل لذلك، و قد يكون لأمر اخر فيهما، و إن لم يكن عملا؛ فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة و الرضوان و الملائكة، و له عند الله من المحبة و لساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه، و ليس ذلك لمكان غيره،