نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٦١ - الاحتفال بالمولد
«أما بعد: فقد تكرر سؤال جماعة عن الاجتماع الّذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأوّل و يسمّونه المولد، هل له أصل في الشرع؟ أو هو بدعة حدثت في الدين؟ و قصته و الجواب عن ذلك مبينا، و الإيضاح عنه معينا:
«قلت، و بالله التوفيق: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب و لا سنة، و لم ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدّين، المستمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون، و شهرة اعتنى بها الأكّالون، بدليل أنّا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، أو مكروها، أو محرّما. و ليس بواجب إجماعا، و لا مندوبا؛ لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشارع من غير ذم على تركه، و هذا لم يأذن فيه الشرع و لا فعله الصحابة، و لا التابعون المتدينون فيما علمت، و هذا جوابى عنه بين يدى الله إن سئلت عنه، و لا جائز أن يكون مباحا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو حراما، و حينئذ يكون الكلام فيه في فصلين، و التفرقة بين حالين، أحدهما أن يعمله رجل من عين ماله لأهله و أصحابه و عياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، و لا يقترفون شيئا من الآثام، و هذا الّذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة و شناعة، إذ لم يفعله أحد من متقدمى أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام و علماء الأنام، سرج الأزمنة و زين الأمكنة، و الثانى أن تدخله الجناية و تقوى به العناية حتّى يعطى أحدهم الشيء و نفسه تتبعه و قلبه يؤلمه و يوجعه، لما يجد من أ لم الحيف، و قد قال العلماء: اخذ المال بالحياء كاخذه بالسيف، لا سيما إن انضاف إلى ذلك الغناء من البطون الملأى بالآت الباطل كالدفوف و الشبابات، و اجتماع الرجال مع الأحداث و النساء الفاتنات، و الرقص بالتثنى و الانعطاف، و الاستغراق في اللهو و نسيان يوم المخاف، و كذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهتّك و التطريب في الإنشاد، و الخروج في التلاوة و الذكر المشروع و الأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: ١٤]، و هذا هو الّذي لا يختلف في تحريمه إنسان، و لا يستحسنه ذوو المروءة و الفتيان، و إنما يحلو ذلك بنفوس موتى القلوب و غير المستقلين من الآثام و الذنوب، و أزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور المنكرات المحرمات، فإنّا لله و إنا إليه راجعون «بدأ الإسلام غريبا و سيعود كما بدأ»، و لقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء