نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٥٤ - رضاعه
المذكورات و مراتبهن، كرجل يقول: كان أبى فقيها، و لا يريد الفخر، و إنما يريد به تعريف حاله دون ما عداه، و قد يكون أراد به التحدث بنعمة الله تعالى في نفسه و آبائه و أمهاته على وجه الشكر، و ليس ذلك من الاستطالة و الفخر في شيء. و لبنى سليم مفاخر أخرى منها: أنها ألّفت معه يوم فتح مكة، أى شهده منهم ألف، و أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قدّم لواءهم يومئذ على الألوية، و كان أحمر، و منها أن عمر كتب إلى أهل الكوفة و البصرة و مصر و الشام أن ابعثوا إليّ من كل بلد أفضله رجلا. فبعث أهل الكوفة عتبة بن فرقد السلمي، و بعث أهل البصرة مجاشع بن مسعود السلّمي، و بعث أهل مصر معن بن يزيد السلمي، و بعث أهل الشام الأعور السلمى.
و سبب دفع أمه إياه لمن ترضعه أن هذا كان عادة قريش و أشراف العرب في أولادهم، و لو كانت الأم حيّة و لها لبن؛ لأن نساءهم كنّ يرين إرضاع أولادهن عارا [١] عليهن، و أيضا إذا نشأ الرضيع غريبا كان أنجب له، مع ما يضاف إلى ذلك من تفرّغ النساء للأزواج، و إن كان هذا منتفيا هنا؛ لأن أباه (صلّى اللّه عليه و سلّم) توفى و هو حمل على الصحيح. و الأولى في التعليل أن ينشأ غريبا، على أن هذه العادة عادة أشراف الدنيا قديما و حديثا، لا سيما بالأقطار الحجازية بالنسبة للحواضر؛ فإنهم يبعثون بأبنائهم إلى البوادى للتربية بها مع ما ينضم إلى ذلك من خاصية فصاحة العربية العريقة بالبادية القليلة المخالطة بما يفسد اللغات، فهذه هى حالته (صلّى اللّه عليه و سلّم) حيث منّ الله على حليمة السعدية فأرضعته مع ابنها الّذي شرب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من لبنه، و هو عبد الله بن الحرث.
و كان له (صلّى اللّه عليه و سلّم) أختان: أنيسة و الشيماء بنتا الحرث، الشيماء و اسمها حذاقة، و إنما غلب لقبها فلا تعرف في قومها إلا به، و سبيت يوم حنين، فقالت «يا قوم اعلموا أنى أخت نبيكم» فلما أتوا بها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قالت له: «إنى أختك، و كنت عضضتنى و أنا أحضنك مع أمي». فعرف ذلك و بسط لها رداءه و أجلسها عليه، و دمعت
[١] بل لأن أهل مكة بالذات كانوا حريصين على إرضاع أولادهم في البادية حفاظا على اللغة الفصحى من أن تختلط في لسان الولد، و ذلك لأن مكة مركز تجارى يأتى إليها العربى و غير العربي.