نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٨٩ - الفصل الرابع فى ذكر أزواجه
يجب عند وقوع الوباء السكون و الراحة و تسكين هيجان الأخلاط؛ إذ لا يمكن الخروج من أرض الوباء إلا بالحركة، و هى مضرة.
و عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه خرج إلى الشام حتّى إذا كان ب «سرغ» لقيه أبو عبيدة بن الجراح و أصحابه، فأخبروه أن الوباء و الطاعون قد وقع بالشام، قال ابن عباس: قال لى عمر: ادع لى المهاجرين الأوّلين.
فدعوتهم، فاستشارهم و أخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم:
خرجت لأمر فلا نرى أن ترجع عنه، و قال آخرون: معك بقية الناس و أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء و الطاعون، فقال عمر: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لى الأنصار. فدعوا، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، و اختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، فقال: ادع لى من هاهنا من مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح. فدعوا له، فلم يختلف عليه منهم اثنان، قالوا: نرى أن ترجع بالناس، و لا نرى أن تقدم على هذا الوباء و الطاعون، فأذّن عمر في الناس: إنى مصبح على ظهر [١] فأصبحوا عليه. قال أبو عبيدة بن الجراح: يا أمير المؤمنين أ فرارا من قدر الله! فقال: «لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!! نعم؛ نفرّ من قدر الله إلى قدر الله، أ رأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة و الأخرى جدبة، أ لست إن رعيت رعيتها بقدر الله، و إن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟!» قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، و كان متغيبا في بعض حاجته، فقال: إن عندى في هذا علما، و ذكر الحديث المتقدم ذكره، فحمد الله ثم انصرف.
فعلمنا من هذه الأحاديث حكم النهى عن دخول بلد بها الطاعون و الخروج منها بقصد الفرار منه، و عن أبى نعيم أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «الطاعون شهادة لأمتى، و وخز أعدائكم من الجن، غدّة كغدّة الإبل تخرج في الآباط و المرافق، من مات فيه مات شهيدا، و من قام فيه كان كالمرابط في سبيل الله، و من فرّ منه كان كالفارّ من الزحف» رواه الطبراني [٢].
[١] كناية عن أنه سيركب دابته مسافرا.
[٢] و روى مسلم عن أسامة بن زيد: «الطاعون آية الرجز، ابتلى الله به ناسا. و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «الطاعون شهادة لكل مسلم» رواه البخاري، و مسلم، و الإمام أحمد. و للحديث طرق أخرى.