نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٨٨ - الفصل الرابع فى ذكر أزواجه
بأرض فلا تقدموا عليه». رواه الشيخان، و قد سبق التنويه إلى ذلك في «الفصل الأوّل من الباب الأوّل»، و في نهيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن الدخول في الأرض التى حلّ بها الطاعون فائدتان، الأولى: لئلا يستنشقوا الهواء الّذي قد عفن و فسد فيمرضون، و الثانية: لئلا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك، فتتضاعف عليهم البلية لوجود الأمرين.
و قد روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «إنّ من القرف [١] التلف» (و القرف مداناة الوباء و مداناة المرض).
و قوله: «فلا تدخلوا عليه» إثبات الحذر، و النهى عن التعرض للتلف، و في قوله: «فلا تخرجوا فرارا منه» إثبات التوكل و التسليم لأمر الله؛ فأحد الأمرين تأديب و تعليم، و الآخر تفويض و تسليم. و قال الحافظ الجوزي: «إنما نهى عن الخروج لأن الأصحّاء إذا خرجوا هلكت المرضى؛ فلا يبقى من يقوم بحالهم؛ فخروجهم لا يقطع بنجاتهم، و هو قاطع بهلاك من بقى؛ لقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» [٢]، و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه». و الوباء مرض عام، يفضى إلى الموت غالبا، و سببه فساد جوهر الهواء الّذي هو مادة الروح و سبب لصلاحه، و لذلك لا يمكن حياة الإنسان بدون استنشاق، و متى عدم الحيوان استنشاق الهواء و تنسّمه مات مختنقا. و الوباء مضرّ بالأبدان مزيل لصحتها، معرّض لهلاكها، فلذلك نهاهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن الدخول بأرض حلّ بها الوباء، فيحرم دخولها خوفا عليهم و تعليما لهم، و قال بعضهم: فى نهيه عن الخروج منها معنيان، أحدهما: ثقة بالله و توكلا عليه، فيحرم ذلك بقصد الفرار، و قال الشيخ ابن سينا: يجب على كل محترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضلية، و يقلّل الغذاء، و يميل إلى التدبير المجفّف من كل وجه، و يجتنب الرياضة و الحمّام، فإنهما مما يجب أن يحذرا؛ لأن البدن لا يخلو غالبا من فضل رديء كان فيه، فيثيراه، و ذلك يجلب بلية عظيمة، بل
[١] فى مختار الصحاح: القرف: مداناة المرض، و في الحديث أن قوما شكوا إليه وباء أرضهم فقال «تحوّلوا، فإن من القرف التلف».
[٢] رواه الترمذي، و النسائي، و البخارى و مسلم.