نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٨٣ - الفصل الرابع فى ذكر أزواجه
أنتم يومئذ كثير، و لكنكم غثاء كغثاء السيل، و لينزعنّ الله عز و جلّ المهابة عن صدوركم، و ليقذفنّ الوهن في قلوبكم، قيل: يا رسول الله و ما الوهن؟ قال: حبّ الدنيا و كراهة الموت» [١].
قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): من يضمن لى خصلة أضمن له الجنة؟ قال ثوبان: أنا يا رسول الله. قال: «لا تسل الناس شيئا». فكان ثوبان يقع سوطه من يده فلا يقول لأحد «ناولنيه» حتى ينزل فيأخذه، و كانت عائشة تقول: «تعهّدوا ثوبان؛ فإنه لا يسأل الناس شيئا».
* و منهم أسامة بن زيد بن حارثة السالف الذكر، و يكنى أبا محمد، أمه أم أيمن حاضنة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فهو و أيمن أخوان لأمّ، و هو مولى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أبويه.
روى ابن عمر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «إنّ أسامة بن زيد لأحبّ الناس إليّ، أو من أحب الناس إليّ، و أنا أرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا».
و استعمله النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو ابن ثمانى عشرة سنة على جيش، كما سيأتى بعد.
و روي عن عائشة رضى الله عنها، قالت: عثر أسامة بأسكفة الباب، فشجّ في وجهه، فقال لى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أميطى عنه»، فكأنى تقذّرته، فجعل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يمصّه ثم يمجّه.
و قال: «لو كان أسامة جارية لكسوته و حلّيته حتّى ينقه» [٢].
و لما فرض عمر بن الخطاب رضى الله عنه للناس، فرض لأسامة بن زيد خمسة آلاف، و فرض لابنه عبد الله بن عمر ألفين، فقال ابن عمر: فضّلت عليّ أسامة، و قد شهدت ما لم يشهد! فقال: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله منك، و أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك.
[١] و في رواية: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أ من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، و لكنكم غثاء كغثاء السيل، و لينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم منكم و ليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: و ما الوهن يا رسول الله؟ قال: حبّ الدنيا و كراهية الموت».
[٢] النقه هنا معناه: الفهم، و المقصود- و الله أعلم- أى حتّى يبلغ و يفهم.