نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٧٠ - الفصل الرابع فى ذكر أزواجه
أسلّم عليه عند الصباح، و أعلم أنه يسمعنى فأسمع في قلبى ردّ السلام، و كم ليلة رأيته في المنام، و هو يقول: «يا عائشة أقرئي أصحابى السلام، فأصبح و أبلّغهم سلامه، و مات و هو راض عنّي، و ورّثنى علمه، فأنا عالمة الأمة، ولى الهجرة و السبق إلي الإسلام، و لا أشركت بالله طرفة عين، و لا رأيت بعينى صنما منذ خلقت، و لا كتب الملك عليّ ذنبا؛ إذ ربيت في حجر الصديق، ثم انتقلت إلى حجر الصادق، و صلّيت إلى القبلتين، و ما نزل الوحى في لحاف غيري، و رأيت جبريل، و كان رفيقى ليلة هجرتى و رأيته على صورة دحية الكلبى، و أعطيت شطر العلم، و كان لكل امرأة من نسائه يوم و ليلة و لي يومان و ليلتان، و صوّر الله صورتى في الجنة في سندسة خضراء، و أهدانى إلى حبيبه محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أمره بزواجي، فقاضيي رب العالمين، و وليّى أبو بكر خاتم الصديقين، و بعلى محمد الصادق الأمين، خاتم المرسلين، و أنا أفضل أمهات المؤمنين».
و في علم عائشة قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «خذوا شطر علمكم من الحميراء» تصغير حمراء و معناها البيضاء، قال قوم: الشطر هو النصف؛ لأن نصف الشيء شطره، و قال قوم «الشطر هو الكل» و قال (عليه الصلاة و السلام): «عائشة عالمة هذه الأمة» و لذلك كان أكابر الصحابة يأتون إليها و يسألونها عمّا أشكل عليهم من الفرائض، كما روى عن أبى موسى الأشعرى قال: «ما أشكل علينا- أصحاب رسول اللّه- حديث قط و سألنا عنه عائشة إلا و وجدنا عندها منه علما» و لقد سئل عروة بن الزبير عن علم عائشة فقال: و الله ما رأيت امرأة أعلم بالفرائض و السنن و التنزيل و التأويل من عائشة رضى الله عنها، حتى أشعار العرب و أيامهم و أنسابهم و الطب و الأدوية، فقلت لها: من أين لك علم الطب و الأبدان؟ فقالت: من رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ كان إذا مرض يتداوى، و إذا مرضت يصف لى فأبرأ، و إذا سئل يصف للمرضي، فتعلمت منه، فقلت: و من أين لك معرفة بأنساب العرب و أيامها و أشعارها؟ قالت: فو الله يا ابن أختى ما سمعت أذنى شيئا فيه نفع للناس إلا حفظته و لا أنساه. و قال عروة: و الله ما ندمت على شيء قط أشدّ منى ندما على ما فاتنى من علم عائشة رضى الله عنها، و ما الّذي يمنعها و قد ربّاها أعلم