نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٤١ - الفصل الثالث في ذكر معجزاته
و قال بعضهم:
ألا إنّما القرآن تسعة أحرف * * * أتيت بها في بيت شعر بلا خلل
حلال، حرام، محكم، متشابه * * * بشير، نذير، قصّة، عظة، مثل
و وفد غالب بن صعصعة على الإمام علي بن أبى طالب كرم الله وجهه، و معه ابنه الفرزدق، فقال له: من أنت؟ فقال: غالب بن صعصعة، قال: ذو الإبل الكثيرة؟ قال: نعم. قال: فما فعلت بإبلك؟ قال: أذهبتها النوائب، ثم قال له: يا أبا أخطل، من هذا الّذي معك؟ قال: ابني، و هو شاعر، قال: علّمه القرآن فهو خير له من الشعر، فكان ذلك في نفس الفرزدق حتّى قيّد نفسه، و الى على نفسه أن لا يحلّ قيده حتّى يحفظ القرآن، فحفظه في سنة، و ذلك قوله:
و ما صبّ رجلي في حديد مجاشع * * * مع القيد إلا حاجة لي أريدها
فقد جمع اللّه له (صلّى اللّه عليه و سلّم) كل ما أوتيه الأنبياء من معجزات، و خصائص، و لم يجمع ذلك لغيره، بل خصّ كلّا بنوع من المعجزات، و ذهب كلّ نبى بمعجزاته، و لم يبق لها أثر ظاهر خلا الروايات عنها و الأخبار، و أبقى لنا (صلّى اللّه عليه و سلّم) القرآن، معجزا خالدا بين ظهرانينا إلى يوم القيامة بعد ذهابه، لا تنكسف شموسه، و لا تذوي زهراته، يعلم ذلك من أدرك منه شرح الآيات المحكمة و أسباب نزولها، و ما اشتملت عليه من الأمر و النهي، و الأحكام و المعاني، و الإعجاز و الإيجاز، و الفصاحة و البلاغة، و البيان و البديع، و أخبار الأوّلين و الآخرين، و شرائع الأمم السالفة، و الوعد و الوعيد، و ذكر الدنيا و أحوالها، و الآخرة و أهوالها، فكلّ من نظر في كتاب الله تعالى من الفصحاء البلغاء في سائر الأعصر، و أمعن النظر فيه استخرج بمعرفته جواهر المعانى من كنوز الآيات الكريمة، و اطلع علي أسرار البلاغة، و علم ما انطوت عليه من أسرار الإعجاز، فقد علم بالقرآن الّذي تحدّى به (صلّى اللّه عليه و سلّم) صدق دعوى النبوة جميع ما أخبر به علما قطعيا يقينيا لا يقدح فيه شيء من الاحتمالات العقلية، مع ما نقل عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من المعجزات و الأمور الخارقة للعادة بطريق الشهرة و الآحاد، و ما بلغ القدر المشترك منه حد التواتر في المعجزات، و إن كانت تفاصيلها مروية آحادا، قال بعضهم: