نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٠ - طهارة مولده و شرفه
و لما حفر عبد المطلب زمزم و دلّه الله عليها و خصّه بما زاده بها خطرا و شرفا فى قومه، و عطلت كلّ سقاية كانت بمكة حين ظهرت، و أقبل الناس عليها لالتماس بركتها، و معرفة فضلها لمكانها من البيت، و أنها سقاية الله عز و جل لإسماعيل (عليه السلام)، و تكامل بنوه عشرة، و قرّت عينه بهم، نام ليلة عند الكعبة فرأى في المنام قائلا يقول: يا عبد المطلب أوف بنذرك لرب هذا البيت.
فاستيقظ فزعا، و أمر بذبح كبش و أطعمه للفقراء و المساكين، ثم نام فرأي: أن قرّب ما هو أكبر من ذلك، فانتبه و قرّب جملا و أطعمه للمساكين، ثم نام فنودي أن قرّب ما هو أكبر من ذلك، فقال: و ما هو أكبر من ذلك؟ فقيل له: أحد أولادك الّذي نذرته، فاغتمّ غما شديدا، و جمع أولاده و أخبرهم بذلك، و طلب منهم الوفاء بالنذر، فأطاعوه، و قالوا: كيف نصنع قال: ليأخذ كل واحد منكم قدحا (بكسر القاف أى سهما بغير نصل) و ليكتب اسمه عليه ثم ليأتنى به، ففعلوا، ثم أتوه فدخل بهم على هبل، فدفع عبد المطلب القداح إلى القيّم، فلما أخذ ليضرب قام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله، و يقول: اللهم إنى نذرت لك نحر أحدهم، و إنى أقرع بينهم، فأصب بذلك من شئت. ثم ضرب السادن القدح فخرج القدح علي عبد الله، و كان أحبّ ولده إليه، فقبض عبد المطلب يده عليه و أخذ الشفرة و أقبل به إلى إساف و نائلة (صنمين عند الكعبة تذبح عندهم الهدايا) فقام إليه سادة قريش من أنديتها، و قالوا له: ما تريد أن تصنع؟ قال: أو في بنذري، فقالوا:
لا ندعك تذبحه حتّى تعذر فيه إلى ربك، و لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه فيذبحه و يكون سنّة، و لكن انطلق به إلى قطية الكاهنة (و الكاهنة التى تخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان و تدّعى معرفة الأسرار) و قيل: اسمها سجاح (على ما ذكر ابن إسحاق)، فلعلها أن تأمرك بأمر فيه فرج لك. فانطلقوا حتّى أتوها بخيبر، و قصّ عبد المطلب عليها القصة، فقالت لهم: كم الدية فيكم؟
فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قرّبوا صاحبكم، و قرّبوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليه و عليها القداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا في الإبل عشرة أخرى، و هكذا حتّى يرضى ربكم و يخلص صاحبكم، فإذا خرجت علي الإبل فانحروها، فقد رضى ربكم و نجا صاحبكم.
فرجع القوم إلى مكة و قرّبوا عبد الله و عشرة من الإبل، و قام عبد المطلب يدعو فقال: اللهم أ هو أحب إليك أم مائة من الإبل؟ و الّذي في «الإمتاع»: اللهم أ هو