نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٢ - طهارة مولده و شرفه
و من تخلّف قدحاه فلا شيء له. فقالوا: أنصفت. فجعل قدحين أصفرين للكعبة، و قدحين أسودين لعبد المطلب، و قدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوها صاحب القداح الّذي يضرب بها عند هبل، و قام عبد المطلب يدعو و صاحب القداح يضرب بها، فخرج الأصفران على الغزالين، و خرج الأسودان على الأسياف و الأدراع، و تخلف قدحا قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، و ضرب في الباب الغزالين، فكان أوّل ذهب حلّيته الكعبة.
و «هبل» بضم الهاء و فتح الباء: صنم اتخذته قريش علي بئر في جوف الكعبة، و كانت تلك البئر هى التى تجمع فيها ما يهدى للكعبة، و كان عنده قداح سبعة، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه العقل [١] إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل، فعلى من خرج حمله. و قدح فيه: «نعم» للأمر، إذا أرادوه، يضرب به في القداح، فإن خرج قدح: نعم، عملوا به. و قدح فيه «لا» إذا أرادوا الأمر ضربوا به في القداح؛ فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر، و قدح فيه «منكم»، و قدح فيه «ملصق»، و قدح فيه «من غيركم»، و قدح فيه المياه، إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح و فيها ذلك القدح فحيثما خرج عملوا به، و كانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما أو ينكحوا منكحا أو يدفنوا ميتا أو شكّوا في نسب أحدهم، ذهبوا به إلى هبل و بمائة درهم و جزور، فأعطوها صاحب القداح الّذي يضرب بها، ثم قرّبوا صاحبهم الّذي يريدون به ما يريدون، ثمّ قالوا: يا إلهنا، هذا فلان ابن فلان قد أردنا به كذا و كذا فأخرج لنا الحقّ فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فإن خرج عليه «منكم» كان منهم وسيطا، و إن خرج عليه «من غيركم» كان حليفا، و إن خرج عليه «ملصق» كان على منزلته فيهم؛ لا نسب له و لا حلف، و إن خرج في شيء مما سوى هذا ممّا يعملون به «نعم» عملوا به. و إن خرج «لا» أخّروه عامه ذلك، حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح. هذا ما ذكره ابن هشام.
و الّذي ذكره غيره، أنهم كانوا إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على
[١] هو ما تدفعه قبيلة القاتل دية للمقتول، و سمى عقلا لأنه يعقل أى يمنع القبائل عن أن يعتدى بعضها على بعض، و القبيلة تسمّى عاقلة لذلك.