نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٧٦ - * و أما النساء الست اللاتى أهدر النبي
و مدح النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال:
رأيتك يا خير البريّة كلّها * * * نشرت كتابا جاء بالحق معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد حودنا * * * عن الحق لمّا أصبح الحق مظلما
فمن مبلغ عنى النّبيّ محمدا * * * و كل امرئ يجزى بما كان قدّما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه * * * و كان قديما ركنه قد تهدّما
تعالى علوّا فوق عرش إلهنا * * * و كان مكان اللّه أعلى و أعظما
و يقال إنه أنشد هذه الأبيات و امتدح بها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأعطاه خلّة قطع بها لسانه، أى بقية من الغنيمة.
و لما فرّق رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الغنائم و لم يعط الأنصار من ذلك شيئا، وجدوا في أنفسهم [١]، فدعاهم (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: إن قريشا حديثو عهد بالجاهلية، أ ما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، و ترجعون برسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى بيوتكم؟ قالوا: بلي، قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لو سلك الناس واديا و سلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار [٢]، اللهم ارحم الأنصار، و أبناء الأنصار، و أبناء أبناء الأنصار» [٣].
و يومئذ قال ذو الخويصرة «من تميم»: لم تعدل هذه القسمة، و لا أريد بها وجه الله، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «سيخرج من ضئضئ (أى أصل) هذا الرجل قوم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرميّة، لا يجاوز إيمانهم تراقيهم» فخرج منه حرقوص بن زهير البجلي المعروف بذى الثدية؛ لأن في رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض أوّل من بويع من الخوارج بالإمامة، و أوّل مارق من الدين.
و الخوارج قوم يكفّرون مرتكب الكبيرة، و يحكمون بحبوط عمل مرتكبها،
[١] أى حزنوا في أنفسهم، و ليست من موجدة الغضب: معاذ الله.
[٢] و لفظ الترمذي- كما جاء في الفتح الكبير- «إن قريشا حديثو عهد بجاهلية و مصيبة، و إنى أردت أن أحبوهم و أ تألفهم، أ ما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا و ترجعون برسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ لو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادى الأنصار و شعبهم».
[٣] رواه ابن ماجه بلفظ «رحم الله» و الباقى سواء.