نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٧٤ - * و أما النساء الست اللاتى أهدر النبي
بالجعرانة، و اجتمعت فيها الغنائم، و أتى إليه بعض هوازن و دخلوا عليه يستعطفونه، و قالوا: قد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، و إنّ فيمن أصبتهم الأمهات و الأخوات، و العمات و الخالات (يريدون: عماتك و خالاتك و حواضنك اللاتى كن يكفلنك لأن مرضعته (صلّى اللّه عليه و سلّم) من هوازن) و نرجو عطفك. فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم):
«إنّ أحسن الحديث أصدقه؛ أبناؤكم و نساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبى و إما المال»، فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، اردد علينا نساءنا و أبناءنا، فهو أحب إلينا و لا نتكلم في شاة و لا بعير. فردّ عليهم نصيبه و نصيب بني عبد المطلب، قائلا: «أما ما كان لى و لبنى عبد المطلب فهو لكم، و إذا أنا صليت الظهر بالناس فقوموا و قولوا: إنّا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، و بالمسلمين إلى رسول الله في نسائنا و أبنائنا، فسأعطيكم عند ذلك و أسأل لكم، فلمّا صلّى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الظهر قاموا إليه فتكلموا بالذى أمرهم به، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد أن أثنى على الله بما هو أهله: «أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء جاءوا تائبين، و إنى رأيت أن أردّ إليهم سبيهم فمن أحبّ أن يطيب بذلك فليفعل، و من أحب منكم أن يكون على حظّ حتّى نعطيه إياه من أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل، هؤلاء القوم جاءوا مسلمين، و قد خيّرتهم فلم يعدلوا بالأبناء و النساء شيئا، فمن كان عنده من النساء سبى و طابت نفسه أن يردّه فليردّه»، قال الناس: رضينا و سلّمنا. فردّوا عليهم نساءهم و أبناءهم، ثم لحق مالك بن عوف مقدّم هوازن برسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأسلم و حسن إسلامه، و استعمله في قومه و على من أسلم من تلك القبائل، و كانت عدة السبى الّذي أطلقه ستة آلاف.
و روى أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما عرض عليه سبى هوازن، كان ممن عرض عليه بنت حاتم الطائي، فقالت: يا رسول الله أنا بنت من كان يحمل الكلّ (أى الشيء الّذي يحصل منه التعب) و يكسب المعدوم (أى يعطيه له تبرعا) و يعين على نوائب الزمان، أنا بنت حاتم الطائي، فمنّ عليها (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ردّ لها مالها: و قال:
«أكرموا عزيز قوم ذلّ، و غني قوم افتقر»، فقالت: يا رسول الله و صويحباتي؟
فقال: «و صويحباتك، كريمة بنت كريم» فقالت: يا رسول الله أ تأذن لى أن أدعو لك بدعوات؟ فأذن لها، و قال لأصحابه: أنصتوا و عوا، فقالت: «شكرتك يد افتقرت بعد غني، و لا ملكتك يد استغنت بعد فقر، و أصاب الله بمعروفك مواضعه، و لا جعل لك إلى لئيم حاجة، و لا سلبت نعمة عن كريم إلّا و جعلت