نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٥٥ - الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة و ما فيها من الغزوات
فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن، و من أغلق عليه بابه فهو آمن» فلما ذهب أبو سفيان لينصرف قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم):
احبسه يا عباس بمضيق الوادى، حتى تمر به جنود الله تعالى فيراها، قال:
فخرجت به حتّى حبسته حيث أمرنى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و مرّت به القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة كبّرت ثلاثا عند محاذاته، قال: من هؤلاء يا عباس؟
فأقول: سليم، فيقول: ما لى و لسليم، ثم تمر مرت القبيلة فيقول: من هؤلاء فأقول:
مزينة، فيقول: ما لى و لمزينة، ثم مرت بنو غفار- بكسر الغين المعجمة- ثم أسلم، ثم بنو كعب، ثم جهينة، ثم كنانة، ثم أشجع، لا تمر قبيلة إلا سألنى عنها فإذا أخبرته، فيقول: ما لى و لبنى فلان؟ حتى مر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في كتيبته الخضراء.- و إنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد و ظهوره فيها، و العرب تطلق الخضرة على السواد، كما تطلق السواد على الخضرة [١]- المهاجرون و الأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، لأن فيها ألفى دارع [٢]، فلما رأى ذلك أبو سفيان قال: سبحان الله، من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المهاجرين و الأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل و لا طاقة، و الله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، قلت: ويحك يا أبا سفيان إنها النبوّة. قال:
فنعم إذا، فقلت: الحق الآن بقومك فحذّرهم. فخرج سريعا حتّى إذا جاءهم، فصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به.
قالوا: فمه؟ قال: فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن، قالوا: ويحك و ما تغنى دارك عنّا شيئا، قال: فمن أغلق عليه بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن، و من ألقى السلاح فهو آمن. فتفرّق الناس إلى دورهم و إلى المسجد، و استثنى (صلّى اللّه عليه و سلّم) جماعة أمر بقتلهم، و إن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، و بهذا استدلّ على أن مكة فتحت صلحا لا عنوة، و به قال الإمام الشافعى.
و في بعض السير: لقى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ببعض الطرق بالإيواء أبا سفيان بن عمه الحارث بن عبد المطلب، و عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة- ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب- فأعرض عنهما (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فجاء إليه أبو سفيان و عبد الله بن أمية من
[١] فى مختار الصحاح: و ربما سموا الأسود أخضر. و قوله تعالى: مُدْهامَّتانِ قالوا:
خضراوان؛ لأنهما يضربان إلى السواد من شدة الرى.
[٢] أى حامل درع.