نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٥٣ - الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة و ما فيها من الغزوات
فدخل على ابنته أم حبيبة (أم المؤمنين زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)) فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) طوته عنه، فقال: يا بنية ما أدرى، أرغبت بى عن هذا الفراش، أم رغبت به عنى؟ قالت: بل هو فراش رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أنت رجل مشرك نجس، و ما أحب أن تجلس على فراش رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال: و الله لقد أصابك بعدي يا بنية شرّ. ثم خرج و أتى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، فذهب إلى أبى بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى على (رضوان الله عليهم) على أن يكلموا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في أمره، و تشفّع بهم، فلم يفعلوا، ثم قال لفاطمة أن تأمر ابنها الحسين (و هو غلام يدب بين يدى أبويه) حتى يجير له، فأبت، فقال لعلى كرم الله وجهه: يا أبا الحسن، إنى أرى الأمور قد اشتدت عليّ فانصحنى، فقال: و الله لا أعلم شيئا يغنى عنك، و لكنك سيد بنى كنانة، فقم فأجر بين الناس (أى اطلب الأمان) ثم الحق بأرضك، قال له: أو ترى ذلك يغنى عنى شيئا؟ قال: لا و الله، ما أظنه، و لكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: يا أيها الناس إنى قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره و انطلق، فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ فقص ما جرى له مع أبى بكر و عمر و على، و أنه قد أجار بين الناس، فقالوا: هل أجاز محمد ذلك؟ قال: لا، قالوا:
و الله إن الرجل (يعنون عليا) أراد اللعب بك، فما يغنى عنّا ما قلت، قال: لا و الله ما وجدت غير ذلك.
ثم أمر (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالجهاز، و أمر أهله أن يجهّزوه، و لم يعلموا به أحدا، ثم أعلم الناس بأنه يريد مكة، و قال: «اللهم خذ العيون و الأخبار عن قريش حتّى نبغتهم فى بلادهم» (أى نأخذهم بغتة أى على حين غفلة من قبل أن يعلموا به)، فكتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا إلى أهل مكة، و بعثه مع سارة مولاة بنى هاشم، يعلمهم بذلك، فأطلع الله رسوله على ذلك، و أرسل عليا و الزبير، و أخذا منها الكتاب، فقال لحاطب: ما حملك على هذا؟ فقال: و الله إنى مؤمن، ما كفرت منذ أسلمت، و لا غششتك منذ صحبتك، و لكن لى بين أظهرهم أهل و ولد، و ليس لى عشيرة، فصانعتهم، فقال عمر: دعنى يا رسول الله أضرب عنقه فإنه منافق، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنه شهد بدرا، و ما يدريك لعل الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ففاضت عينا عمر، فأنزل الله عز و جل في حاطب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ