نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٥٠ - الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة و ما فيها من الغزوات
ذريته بأحسن ما خلفت به أحدا من عبادك الصالحين» و كان لجعفر من الولد:
عبد الله الجواد، و عون، و محمد، استشهدوا بصفين، و قيل: إنهم قتلوا بالطفّ مع الحسين (عليه السلام)، و حمل ابن زياد رءوسهم مع رأس الحسين إلى يزيد بن معاوية، و لم يكن لعون عقب.
ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة الأنصارى، فاستشهد، و في أثناء استشهاد هؤلاء الصحابة الكرام كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) جالسا على المنبر و قد كشف الله له معتركهم، فكان يخبر باستشهاد كل واحد منهم و يصلى عليه، و يأمر أصحابه بالاستغفار له.
و في «الصفوة» عن محمد بن جعفر قال: «فلما تجهّز الناس و تهيئوا للخروج إلى مؤتة، قال للمسلمين: «صحبكم الله و دفع عنكم السوء و ردّكم سالمين غانمين» فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم و تهيّئوا لحربهم، و قام فيهم شرحبيل بن عمرو، فجمع نحو مائة ألف، و قدّم الطلائع أمامه، و لما نزلوا «معان» [١] من أرض الشام بلغهم أن هرقل قد نزل «مآب» من أرض «البلقاء» [٢] فى مائة ألف من الروم، و انضمت إليه المستعربة من: لخم، و جذام، و القين، و بلى، و بهراء، و وائل، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على «معان» ليلتين ينظرون في أمرهم، و قالوا: نكتب إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فنخبره بعدد عدونا، إما أن يمدنا بالرجال، و إما أن يأمرنا فنمضى له. فشجعهم عبد الله بن رواحة فقال:
و الله يا قوم إن الّذي تكرهونه للذي خرجتم له تطلبون الشهادة، و ما نقاتل الناس بعدة و لا قوة و لا كثرة، و ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الّذي أكرمنا الله به؛ فانطلقوا فإنما هى إحدى الحسنيين؛ إما الظهور و إما الشهادة، قال الناس: قد و الله صدق ابن رواحة، فمضوا لوجوههم.
و في «الاكتفاء»: ثم مضى الناس حتّى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيهم جموع هرقل من الروم و العرب بقرية من قرى البلقاء، يقال لها «مشارف» [٣]، و انحاز المسلمون إلى «مؤتة» التى سميت الغزوة باسمها، فالتقى الناس عندها فتعبّى لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة يقال له: قطبة بن قتادة،
[١] معان: بالفتح: مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحى البلقاء.
[٢] البلقاء: كورة من أعمال دمشق، بين الشام و وادى القرى، قصبتها عمان.
[٣] قرية قرب حوران تنسب إليها السيوف المشرفية.