نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٤٤ - الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات
الله عنه سورا من القرآن، أن له و لأصحابه معرفة بالعربية الفصيحة، فلعلّ بلاد هذا النجاشي المتملّك عليها هى الأراضى المجاورة لأرض اليمن، و يبعد أن تكون هذه السور ترجمت لهم من العربية بلسانهم، لأن الترجمة لا تؤثر في قلوبهم، حتى تفيض دموعهم، و يدلّ عليه فيض دموع الحبشة القادمين مع جعفر رضى الله عنه، لما تلا عليهم سورة يس، و قد تقدم في غزوة بدر أنّ غضب النجاشى على عمرو و أصحابه كان بحضور عمرو بن أمية الضمرى، و أن عمرو بن العاص طلب من النجاشى قتله! و الخطب سهل؛ فلعل الواقعة تعددت، و بالجملة فالنتيجة واحدة: و هى أنه لم يقبل من عمرو بن العاص صرفا و لا عدلا في استجارة أصحابه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و روت أمّ سلمة- رضى الله عنها- إذ نزل بالنجاشى من ينازعه في ملكه، قالت أم سلمة رضى الله عنها: فو الله ما علمنا حزنا قط أشد حزن حزناه عند ذلك تحرزا أن يظهر ذلك على النجاشى، فيأتى رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشى يعرفه، قالت: و سار النجاشى و بينهما ما عرض النيل [١]، قالت: فقال أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): من يخرج حتّى يحضر وقعة القوم؟ فقال الزبير بن العوام: أنا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتّى خرج إليهم و حضرهم، و دعونا الله للنجاشى بالظهور على عدوه، و التمكن له في بلده، فظهر و استوثق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم).
* و في سنة ست من الهجرة بعث رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمرو بن أمية الضّمرى- بفتح الضاد و سكون الميم- إلى النجاشى بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، و كتب فيه ما صورته:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشى ملك الحبشة؛ أما بعد فإني أحمد إليك الله الّذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، و أشهد أنّ عيسى ابن مريم روح اللّه و كلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة المطهّرة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه و نفخه كما خلق آدم بيده و نفخه، و إنى أدعوك إلى الله واحده لا شريك له، و الموالاة على طاعته، و أن
[١] لأن النيل بينهم و بين بلاد من بلاد السودان فقد كانت الحرب هناك.