نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣١٨ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
قريش الّذي كانوا يأخذونه إلي الشام، و بلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ويلمه مسعر حرب لو كان معه رجال»، فخرجوا إلى أبي بصير، فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم، و ذكر موسى بن عقبة أن أبا جندل بن سهيل بن عمرو الذي ردّ إلي قريش بالحديبية مكرها يوم الصلح و القضية هو الذي انفلت في سبعين راكبا، أسلموا و هاجروا فلحقوا بأبي بصير، و نزلوا معه، و كرهوا أن يقدموا علي رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في تلك المدة التي هى زمن الهدنة، خوف أن يردّهم إلي أهليهم حكم الشروط. و اجتمع إلى أبى جندل أناس من غفار و أسلم و جهينة، و طوائف من العرب حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل، و هم مسلمون، فأقاموا مع أبي جندل و أبي بصير، فقطعوا مادة قريش، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، و لا تمرّ بهم عير لقريش إلا أخذوها و قتلوا أصحابها، و قال فى ذلك أبو جندل:
أبلغ قريشا عن أبي جندل * * * أنّا بذي المروة بالساحل
في معشر تخفق أيمانهم * * * بالبيض فيها و القنا الذابل
يأبون أن تبقي لهم رفقة * * * من بعد إسلامهم الواصل
أو يجعل الله لهم مخرجا * * * و الحقّ لا يغلب بالباطل
فيسلم المرء بإسلامه * * * أو يقتل المرء و لا يأتل
فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلي رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يسألونه و يتضرعون إليه و يناشدونه بالله و الرّحم أن يرسل إلى أبي بصير [١] و أبي جندل [٢] بن
[١] أبو بصير هو: «عتبة بن أسيد بن حارثة» و يقال هو: عبيد بن أسيد بن جارية، و يقال أيضا: عتبة بن أسيد بن جارية بن أسيد بن عبد الله بن سلمة بن غبرة بن عوف بن قيس (ثقيف) بن منبه بن بكر بن هوازن: حليف بني زهرة، هكذا ذكره خليفة عن أبى معشر. و قال ابن شهاب: هو رجل من قريش، و قال ابن هشام: إنه ثقفي.
و له قصة لطيفة ذكرها صاحب الاستيعاب و الحافظ ابن حجر، فارجع إليهما، و قد بني بجوار قبره مسجد في عهد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لم ينكر هذا أحد من السلف و الخلف رضى الله عن الجميع.
[٢] أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشى العامري: كان من السابقين، أسلم أبوه أيضا، و جاهد هو و أبوه في فتوح الشام، و أتي مع المشركين في غزوة بدر فانحاز إلى المسلمين، ثم أسر بعد ذلك، أسره المشركون و عذب ليرجع عن دينه، و أخيرا لحق بأبى بصير على ساحل البحر، و كان هناك منهما ما كان. و الحمد لله الّذي نصر دينه و أعز جنده.