نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣١٤ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
فقال علي: لا و الله لا أمحوك أبدا، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): فأرنيه، فأراه إياه، فأخذ الكتاب بيده الكريمة و محا «رسول الله» و كتب مكانه «محمد بن عبد الله»، و كانت هذه معجزة لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حيث كتب بيده الشريفة و لم يكن يكتب.
و أقبل بوجهه (صلّى اللّه عليه و سلّم) علي عليّ بعد ما كتب في كتاب الصلح محمد بن عبد الله، فقال: «يا على سيكون لك يوم مثل هذه الواقعة». ثم قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعليّ:
اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيها الناس، و يكفّ بعضهم عن بعض، و علي أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليه، و إن كان مسلما، و إن جاء قريش ممن مع محمد لم يردّوه عليه، و أنّ من أحب أن يدخل في عقد قريش و عهدهم دخل فيه، و أنك ترجع عنّا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، و أنه إذا كان عام قابل، خرجنا عنها فدخلتها أنت و أصحابك فأقمت فيها ثلاثا مع سلاح الراكب السيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها». و أشهدوا في ذلك الكتاب علي الصلح رجالا من المسلمين: أبا بكر، و عمر بن الخطاب، و علي بن أبى طالب و هو كاتب الصحيفة- و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبى وقاص، و أبا عبيدة بن الجراح، و محمد بن مسلمة، و عبد الله بن سهيل بن عمرو، و رجالا من قريش: حويطب بن عبد العزّى، و مكرز بن حفص.
و لما بلغ هذا الشرط أنّ من أتى محمدا من قريش ردّه إليهم و إن كان مسلما، و من جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، تعجب المسلمون من هذا الشرط، فقالوا: سبحان الله، كيف نردّ من أتانا مسلما!! و قالوا: يا رسول الله، أ تكتب هذا، قال: «نعم؟! إنه من ذهب إليهم فأبعده الله، و من جاء منهم سيجعل الله له فرجا و مخرجا».
و نسخ الكتاب نسختين، فوضعت إحداهما عند رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أخذ الأخرى سهيل بن عمرو، و لما فرغ من كتاب القضية وثب من كان هناك من خزاعة، فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد و عقده، و قال بنو بكر: نحن ندخل في عقد قريش و عهدهم.
و قد كان للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) علم أنّ هذا الصلح سبب لأمن الناس و ظهور الإسلام، و أن الله يجعل فيه فرجا للمسلمين، و هو أعلم بما علّمه ربه، و إن كان أمر هذا الصلح