نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٩٤ - غزوة بنى النضير
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِ إلى قوله: وَ إِذا سَأَلْتُمُوهُنَ أى سألتم نساء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) حاجة فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أى من وراء ستر يستركم عنهن، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر (*) امرأة من نساء رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم):
متنقبة كانت أو غير متنقبة، و نزل فيها أيضا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَ بَناتِكَ وَ نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ [الأحزاب: ٥٩]، و الجلابيب جمع جلباب، و هى الملاءة التى تشتمل بها المرأة فوق الدرع و الخمار، و قيل: هى كل ما يستتر به من كساء و غيره، قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رءوسهن و وجوههن بالجلابيب، إلا عينا، ليعلم أنهنّ حرائر، و هو قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب: ٥٩]، أى لا يتعرّض لهن، بخلاف الإماء فلا يغطّين وجوههن، و كان المنافقون يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيتبعون المرأة، فإن سكتت اتبعوها، و إن زجرتهم انتهوا عنها، و لم يكونوا يطلبون إلا الإماء، و لكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة؛ لأن زى الكل واحد، تخرج الحرة و الأمة فى درع و خمار، فشكون ذلك لأزواجهن، فذكروا ذلك للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فنزل: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ ... الآية، ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء [١] بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ ..... قال أنس: «مرّت بعمر بن الخطاب
[١] فى القاموس المحيط: «خدم، و خدام، و خدّم: موضع الخلخال، و السير، و رباط السراويل عند أسفل رجل المرأة» أ. ه. بتصرف.
و الإماء: الخدم، و المغنيات: (يسرن مكشوفات الوجه و خدم الرجلين) و لذلك سمين بالخدم:
من الخدمة، و كشف خدم الأقدام، و هن لا يستحيين من كشفها، فلذلك نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء.
و لهذا نقول لنساء هذا الزمن: إنكن رجعتن إلى أرذل من خدم الجاهلية الأولى؛ إذ الحرة اليوم خلعت جلباب الحياء، مع خلعها جلباب الستر الّذي تستر به جسدها: تشبها بالخدم (خدم الجاهلية الأولي).
و المرأة على هذه الوتيرة التى نراها لا يمكن أن تكون هى المرأة المسلمة التى يريد الإسلام إعزازها و تكريمها و إبعادها عن فحش القول، و عن الفاحشة، نسأل الله تعالى أن يسبل علينا ستر الدنيا و الآخرة.
* الانتظار، و البقاء.