نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٧٧ - غزوة بنى النضير
المطلب ما لى بسلبه حاجة» يعنى أنه لم يقتله، فليس سلبه له، لا أنه جبن عن سلب قتيل كل إنسان يستطيع أن يسلب ما عليه. فمن سمع هذه الحكاية نسبه إلى الجبن الّذي لا يليق بحال الصحابة- (رضوان الله عليهم)- مع أن هذا لا ينتج عن جبنه، و إنما لا يدل على شجاعته، و ليست الشجاعة في الحروب صفة لكل إنسان.
و عرض الغلمان و هو يحفر الخندق و كانوا بأجمعهم- من بلغ و من لم يبلغ- يعملون فيه، فلما التحم الأمر: أمر من لم يبلغ خمس عشرة سنة أن يرجع إلى أهله، و أجاز من بلغ خمس عشرة سنة، فممّن أجازه: عبد الله بن عمر بن الخطاب- رضى الله عنهما- و زيد بن ثابت، و أبو سعيد الخدري، و البراء بن عازب- رضى الله عنهم- و شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية، فصارت كالحصن، و كان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، و لواء الأنصار بيد سعد بن عبادة- رضى الله عنهما.
و لما فرغ منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقبلت قريش و من معها من بنى قريظة و قبائل العرب المشركين، و اشتدّ البلاء حتّى ظن المؤمنون كلّ الظن، و أقام رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المشركون بضعا و عشرين ليلة لم يكن بينهم حرب، إلا الرمى بالنبل و الحصار، و كان جماعة من المنافقين مثل أوس القيظي، و متابعيه ينفرون جيش الإسلام، و يقولون: ارجعوا إلى منازلكم، و اعتلّوا بأن منازلكم عورة خالية عن المحافظة، فإنها خارج المدينة، و نحن نخاف أن يظفر بها جيش العدو، و كما أخبر عنه قوله تعالى: وَ إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً (١٣) [الأحزاب: ١٣]، و كان المشركون يتناوبون الحرب، لكن الله تعالى لم يمكنهم عبور الخندق؛ فإن شجعان الصحابة كانوا يمنعونهم بالنبال و الأحجار، و كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بنفسه في الليالى يحرس بعض مواضع.
ثم نصر الله نبيه على المشركين، و اختلفت كلمتهم، و هبّت ريح الصبا عاصفة في ليال شديدة البرد كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها [الأحزاب: ٩]، فجعلت الريح تقطع أطناب خيامهم و تكفئ قدورهم و تقلبهم على بعض أمتعتهم و لا