نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٥٦ - الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة و ما فيها من الغزوات
حتى خرج معهم، فأسر يوم أحد فضرب عنقه. و كان معاوية بن المغيرة بن أبى العاص الّذي جدع أنف حمزة، و مثّل به، فيمن مثّل، قد انهزم يوم أحد، فمضى على وجهه فبات قريبا من المدينة، فلما أصبح دخلها، فأتى منزل عثمان بن عفان بن أبى العاص فضرب بابه، فقالت له امرأته أم كلثوم بنت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): ليس هو هاهنا، فقال: ابعثى إليه؛ فإن له عندى ثمن بعير ابتعته منذ عام الأوّل، و قد جئته به. فأرسلت إليه و هو عند رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلما جاء قال لمعاوية: أهلكتنى و نفسك، ما جاء بك؟ قال: يا ابن عم لم يكن أحد أقرب إليّ و لا أمسّ رحما بى منك، فجئتك لتجيرني، فأدخله عثمان داره و صيّره في ناحية منها، ثم خرج إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليأخذ له منه أمانا، فسمع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن معاوية بالمدينة، و قد أصبح بها، و قال: اطلبوه، فقال بعضهم: «ما كان ليعدو منزل عثمان، فاطلبوه به» فدخلوا منزل عثمان فأشارت أم كلثوم إلى الموضع الّذي صيّره عثمان فيه، فاستخرجوه من تحت دارة لهم، فانطلقوا به إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال عثمان حين راه: و الّذي بعثك بالحق ما جئت إلا لأطلب له الأمان، فهبه لي، فوهبه له، و أجّله ثلاثا، و أقسم لئن وجد بعدها بشيء من أرض المدينة و ما حولها ليقتلن، و خرج عثمان فجهّزه و اشترى له بعيرا، و قال: ارتحل. و سار رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى حمراء الأسد، و أقام معاوية إلى اليوم الثالث ليعرف أخبار النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و يأتى بها قريشا، فلما كان اليوم الرابع قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن معاوية قد أصبح قريبا لم ينفد، فاطلبوه و اقتلوه». و أصابوه على ثمانية أميال من المدينة، و قد أخطأ الطريق، فأدركوه، و كان اللذان أسرعا في طلبه زيد بن حارثة و عمّار بن ياسر، فرمياه بالنبل حتّى مات. و معاوية هذا أبو عائشة بنت معاوية أم عبد الملك بن مروان.
و لما قتل مصعب أعطى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الراية لعلى بن أبى طالب، و انهزم المشركون، فطمعت الرماة في الغنيمة، و فارقوا المكان الّذي أمرهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بملازمته، فأتى خالد مع خيل المشركين من خلف، و صرخ ابن قميئة: إن محمدا قتل، و انكشف المسلمون و أصاب فيهم العدو، و كان يوم بلاء المسلمين، و صلّى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الظهر يومئذ قاعدا، و كان عدة الشهداء منهم سبعين رجلا، و عدة قتلى المشركين اثنان و عشرون رجلا، و وصل العدو إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أصابته حجارتهم حتّى وقع، و أصيبت رباعيته و شجّ في وجهه و كلمات