نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٥٣ - الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة و ما فيها من الغزوات
أبى جهل و صفوان بن أمية رضى الله تعالى عنهم (فإنهم أسلموا بعد ذلك) و رجال آخرون [١] من أشراف قريش إلى أبى سفيان- رضى الله تعالى عنه- (فإنه أسلم بعد ذلك أيضا) و إلى من كان له تجارة في تلك العير التى كان سببها وقعة بدر، و كانت تلك العير موقوفة في دار الندوة لم تعط لأربابها، فقالوا: إن محمدا قد وتركم (أى قتل رجالكم و لم تدركوا دماءهم) و قتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا عمن أصابه منا، و قالوا: نحن طيّبوا النفوس أن تجهزوا بأرباح تلك العير جيشا إلى محمد، فقال أبو سفيان: و أنا أول من يجيب إلى ذلك و بنو عبد مناف معي، فجمع لأهل العير رءوس أموالهم، و كانت خمسين ألف دينار، و أخرجوا أرباحها، و كان الربح لكل دينار دينارا، و قيل نصف دينار، و أنزل الله في تلك الحادثة آية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال: ٣٦]، و تجهّزت قريش و من والاهم من قبائل كنانة و تهامة، و كان عددهم ثلاثة آلاف، فيهم سبعمائة دارع و مائتا فارس، و قائدهم أبو سفيان بن حرب، و ساروا من مكة حتى نزلوا بذى الحليفة [٢] مقابل المدينة، يوم الأربعاء لأربع مضين من شوال، و ذو الحليفة هو ميقات أهل المدينة الّذي يحرمون منه.
و قد أخرج أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال يوم أحد: «رأيت كأنى في درع حصينة، و رأيت بقرا تنحر، فأوّلت أن الدرع المدينة فإن شئتم أقمنا بالمدينة؛ فإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها»، فقالوا: «و الله ما دخلت علينا في الجاهلية، أ فتدخل علينا في الإسلام!» قال: فشأنكم إذا. فذهبوا. فلبس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأمته، فقالوا: ما صنعنا؟ رددنا على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) رأيه! فجاءوا فقالوا: شأنك يا رسول الله، قال: «الآن!! ليس لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل».
و أخرج أحمد و البزار و الطبراني و البيهقى في دلائل النبوّة عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: لمّا جاء المشركون يوم أحد، كان رأي رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)
[١] فى الأصل «أخر».
[٢] بينها و بين المدينة ستة أميال أو سبعة، منها ميقات أهل المدينة، و هى مياه بنى جشم.