نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٣٤ - إسلام عمير بن وهب
[الأنفال: ٧٠]، و قد أعطى الله العباس خيرا مما أخذ منه، و في هذه الآية بشرى عظيمة للعباس؛ إذ أخذ أكثر مما أعطي، و غفر له ما أخطأ، و لما نزلت قال العباس: يا رسول الله وددت أنك أخذت منى أضعافا.
و في البخارى أنه أتي بمال من البحرين (أى خراجها و هو أوّل خراج حمل إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)) و كان مائة ألف، فأمر بصبه في المسجد. و كان أكثر مال أتى به:
فخرج إلى المسجد و لم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس فسأله، فقال: خذ، فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مرّ بعضهم يرفعه إليّ، فقال: لا، فقال:
ارفعه أنت عليّ، فقال: لا. فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال كالأوّل، فقال: لا. ثم نثر منه، ثم احتمله، فأتبعه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بصره عجبا من حرصه.
و ذكر السهمى في «الفضائل» أن أبا رافع لما بشّر النبي) بإسلام العباس أعتقه.
و لما فدى العباس نفسه، و رجع إلى مكة و أظهر إسلامه، و جمع أمواله، هاجر إلى المدينة، و لازمه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في غزواته، كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يكرمه و يعظمه [١]، و وصفه (عليه الصلاة و السلام) فقال: «أجود الناس كفا، و أحناه عليهم»، و روى السهمى من حديث ابن عباس أنه (عليه الصلاة و السلام) قال: «ألا أبشرك يا عم؟ قال:
- فبلغت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص، (قال عمر: و الله إنه لأوّل يوم كنانى فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبا حفص) أ يضرب وجه عم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالسيف؟! فقال عمر: يا رسول الله ائذن لى فأضرب عنقه، فو الله لقد نافق. فكان أبو حذيفة يقول بعد ذلك: و الله ما آمن من تلك الكلمة التى قلت، و لا أزال منها خائفا إلا أن يكفّرها الله تعالى عنى بشهادة. فقتل- رضى الله عنه- يوم اليمامة شهيدا.
انظر تفسير ابن كثير بتوسع عند تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) [الأنفال: ٧٠].
[١] كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «العباس منى و أنا منه» رواه الترمذي و الحاكم عن ابن عباس. «العباس عم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إن عم الرجل صنو أبيه» رواه الترمذي.
و روى ابن عساكر عن عليّ: «العباس عمى و صنو أبى فمن شاء فليباه بأبيه». و قد ذكر له محب الدين الطبرى فصلا خاصا به في كتابه «ذخائر العقبي» و هو فصل ممتاع، فانظره.