نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٣٣ - إسلام عمير بن وهب
مناف جد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فيجتمع الإمام الشافعى- رضى الله تعالى عنه- مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في جد الإمام الشافعى التاسع الّذي هو جد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الثالث، و هو عبد مناف.
و لما قدم (عليه الصلاة و السلام) المدينة و كانت وقعة بدر، و أسر فيها من أسر من أهل مكة، قال (عليه الصلاة و السلام) لأهل بدر: «إن بكم عيلة [١]، فلا يفلت منهم- يعنى الأسارى- أحد إلا بفداء أو ضربة عنق»، و قال: «استوصوا بهم خيرا». و كان فداؤهم أربعين أوقية عن كل إنسان، إلا العباس عم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ فإن فداءه كان مائة أوقية، فكان من لا مال له من الأسارى يقبل منه أن يعلّم عشرة من غلمان أهل المدينة الكتابة، فإذا حذقوه كان فداءه، فيومئذ تعلّم زيد بن ثابت الكتابة في جماعة من الأنصار. و من هنا تعلم أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان حريصا على تعليم [٢] الكتابة التى هى التمدن الأوّلى للنوع البشري، و سيأتى بيان الوظائف و التعليمات التى كانت جارية في عهده (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و قد منّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على نفر من أسراء بدر، و خلّى سبيلهم من غير شيء، و لما طلب (صلّى اللّه عليه و سلّم) من العباس أن يفدى نفسه، قال: علام يؤخذ منى الفداء، و قد كنت أسلمت أنا و أم الفضل و بقية آل بيتي، و لكن القوم أكرهونى على الخروج؟ فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): كان ظاهر أمرك أنك كنت علينا، و لكنّ الله تعالى يجزيك عما أخذ منك. و أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) [٣]
[١] أى فقر.
[٢] أى حريصا على أن يتعلم المسلمون الكتابة و القراءة. و في الأصل الّذي راجعنا عليه «تعلم» و هو خطأ واضح، و ذلك أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لو كان حريصا على تعلم القراءة لأعطى العدو سلاحا للطعن فى الرسالة، نسأل الله العصمة من الزلل، و هو خطأ طباعى لا محالة.
[٣] قال ابن كثير: قال محمد بن إسحاق: حدثنى العباس بن مغافل عن بعض أهله عن عبد الله بن عباس- رضى الله عنهما- أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال يوم بدر: «إنى قد عرفت أن أناسا من بنى هاشم و غيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى منكم أحدا منهم فلا يقتله، و من لقى أبا البختري بن هشام فلا يقتله، و من لقى العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنما أخرج مستكرها».
فقال أبو حذيفة بن عتبة: أ نقتل اباءنا و أبناءنا و إخواننا و عشائرنا و نترك العباس؟! و الله لئن لقيته لألجمنّه بالسيف.-