نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٢٩ - الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، و ما فيها من الغزوات
و لما انقضى القتال أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) بسحب القتلى إلى القليب [١]، و كانوا أربعة و عشرين رجلا من صناديد قريش (*)، فقذفوا فيه، ثم وقف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال:
يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذّبتمونى و صدّقنى الناس، و أخرجتمونى و آوانى الناس، و قاتلتمونى و نصرنى الناس، يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربّكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدنى ربى حقا. فقال له أصحابه:
أتكلّم قوما موتي؟ قال: لقد علموا أنّ ما وعدهم ربهم حق».
و عاد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة، و كانت غيبته تسعة عشر يوما، و أرسل زيد بن حارثة بشيرا، فوصل إلى المدينة و قد نفضوا أيديهم من تراب رقية بنت النبي (عليه الصلاة و السلام)، و كان عثمان تخلّف في المدينة بأمره (صلّى اللّه عليه و سلّم) لسببها.
و فيها [٢] هلك أبو لهب.
و كانت وقعة بدر المذكورة صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، فى السنة الثانية من الهجرة.
مقتل النضر و رثاء أخته له: لما وصل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الصفراء راجعا من بدر، و أمر عليا بضرب عنق النضر بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى القرشى العبدري، و كان شديد العداوة للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و إذا تلا (صلّى اللّه عليه و سلّم) قرانا، يقول لقريش: ما يأتيكم محمد إلا بأساطير الأولين. فلما قتل النضر أنشدت أخته النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و اسمها قتيلة- هذه الأبيات:
يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة * * * من صبح غادية و أنت موفق
أبلغ بها ميتا بأن تحية * * * ما إن تزال بها النجائب تعنق
منّى إليه و عبرة مسفوحة * * * جادت بواكفها و أخرى تخنق
هل يسمعنى النضر إن ناديته * * * إن كان يسمع ميت لا ينطق
ظلّت سيوف بنى أبيه تنوشه * * * لله أرحام هناك تشقّق
قسرا يقاد إلى المنية متبعا * * * رسف المقيد و هو عان موثق
[١] أى البئر.
[٢] أى في السنة الثانية.
* واضح أنهم لم يستحبوا كلّ القتلى، فقد سبق أن عددهم كان سبعين رجلا.